ما أبعد المسافة بين مشاعر المصريين إزاء حريق مبنى البرلمان قبل أسابيع وبين مشاعرهم أمام كارثة انهيار صخور جبل المقطم على منطقة «الدويقة» لتدفن وتصيب العشرات (وربما المئات) تحت أنقاض المنازل المهدمة.
في الحادث الأول، ومع بدء نقل الفضائيات لوقائع الحريق على الهواء، كانت هناك لحظات من الخوف على القاهرة لم تقتصر على المصريين بل امتدت لتشمل أنحاء الوطن العربي. واذكر أنني خلال ساعات قليلة تلقيت عشرات المكالمات من مختلف الأقطار العربية. من الإمارات إلى المغرب ومن السودان إلى الشام.
كان الكل قلقاً، وكان شبح حريق القاهرة في بداية الخمسينات من القرن الماضي يطارد الجميع، وعندما أدركوا أن الحريق قاصر على مبنى البرلمان وأنه غير متعمد كانت المشاعر بعد ذلك خليطاً من الاطمئنان لاقتصار الحريق على مبنى البرلمان، والدهشة من تكرار الإهمال، والأسى على احتراق مبنى يمثل جزءاً من الذاكرة الوطنية، ويقول إننا عرفنا الممارسة الديمقراطية قبل ما يقرب من قرن ونصف قرن، وكتبنا صفحات خالدة في هذا الطريق قادرة على أن تفقأ عين من لا يرى في العرب إلا أمة تعيش على ثقافة تعادي الديمقراطية وتشجع على الاستبداد!!
الصورة تختلف كل الاختلاف مع كارثة انهيار جبل المقطم. هنا لا مجال إلا لطوفان من الحزن والغضب العارم. هنا الضحية ليست مبنى يحترق - مهما كانت قيمته - وإنما عشرات المواطنين تحت الأنقاض، وآلاف بلا مأوى، وإهمال يفوق التصور ومخاطر تهدد مناطق أخرى بنفس المصير، وصور لأسوأ نتائج السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تم اتباعها في السنوات الأخيرة.
والتي تقيس نجاحها بأنها حققت نسبة نمو جيدة بلغت 7% لعدة سنوات، فإذا بالواقع يقول إن عائد هذا النمو يذهب لقلة تزداد ثراء على ثراء، بينما الأغلبية تعاني والطبقة الوسطى تنهار ومحدودو الدخل يتحملون وحدهم عبء ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات وعبء تدليل هذه الفئة المحدودة التي استأثرت بالثروة وامتد نفوذها إلى السلطة، وفي ظل زواج السلطة والثروة مارست فساداً غير مسبوق.
في كارثة انهيار جبل المقطم على منطقة «الدويقة» سوف نجد ما يفسر الجمع بين أقصى درجات الحزن والغضب عند المواطنين وهم يتابعون المأساة ويحصون عدد الضحايا، وينتظرون مواجهة حاسمة للموقف قبل فوات الأوان.
ـ هناك التحذيرات المتكررة وعلى مدى سنوات، ومن هيئات علمية محترمة من خطر الانهيارات في جبل المقطم. حيث حدد العلماء خمس مناطق معرضة للانهيار من بينها المنطقة التي حدثت فيها الكارثة. وطالبوا بإخلائها، وحددوا الإجراءات المطلوبة لوقف الخطر، ومع ذلك لم يتحرك أحد حتى وقعت الكارثة!!
ـ وهناك الدراسات العلمية عن المناطق العشوائية (ومنها المنطقة التي شهدت الكارثة) والتي لجأ إليها الفقراء في ظل ارتفاع أسعار المساكن وتدني مستوى الدخل. حيث قدرت الدراسات الرسمية أن هناك أكثر من 900 منطقة عشوائية في أنحاء مصر، منها 80 منطقة في القاهرة وقدرت هذه الدراسات عدد سكان هذه المناطق بما بين 11 و17 مليون مواطن يعيشون في ظروف بالغة القسوة.
وأشارت هذه الدراسات الرسمية إلى أن 30% من هذه المناطق لابد من إزالتها، بينما هناك 70% من هذه المناطق يمكن تطويرها وفق برنامج شامل لتصبح مناطق صالحة لإقامة المواطنين. ورغم أن الدولة تبنت مشروع تطوير هذه المناطق منذ 2005 إلا أن مجمل ما اعتمدته لهذا الغرض كان خمسة مليارات دولار على مدى عشرين سنة، في حين يقدر الخبراء المطلوب بحوالي 30 مليار دولار وببرنامج عاجل على مدى خمس سنوات حتى لا تستفحل المشكلة.
ـ يدرك الجميع أن موارد الدولة محدودة، والتزاماتها كثيرة في ظل زيادة كبيرة في عدد السكان وارتفاع هائل في الأسعار العالمية للسلع الأساسية، ومتطلبات لا غنى عنها للأمن القومي. ولكنهم يشاهدون أيضا سياسات اقتصادية تفتح الباب لثراء قلة محدودة تمارس أنواعاً من الاحتكار والفساد والإفساد ونهب أموال الدولة.
وعندما تبيع الدولة المصنع الذي يتحكم في صناعة الحديد بمصر بثمن بخس إلى الرجل القوي في الحزب الحاكم المهندس أحمد عز ليفرض سيطرته على السوق ويحقق ربحاً سنوياً يفوق ثمن المصنع فإن علامات الاستفهام لابد أن تثور.
وعندما يقول الجهاز الرسمي المسؤول عن أراضي الدولة إن قيمة ما تم نهبه في السنوات الماضية بسبب حصول البعض على هذه الأراضي بثمن بخس والمتاجرة فيها يفوق 200 مليار جنيه (حوالي 40 مليار دولار) قبل الارتفاع الجنوني في ثمن الأراضي فإن القضية تصبح شديدة الخطورة.
وعندما يكون نصف هذه الأراضي قد ذهب إلى حفنة من المحظوظين منهم هشام طلعت مصطفى المتهم في قضية قتل المطربة سوزان تميم الذي حصل في صفقة واحدة فقط على خمسين مليون متر لا تبعد إلا كيلومترات قليلة عن منطقة كارثة المقطم بسعر عشرة جنيهات للمتر ليضيع على الدولة ما يقرب من عشرة مليارات جنيه. فإن الفساد هنا لا يمكن استمراره أو التعايش معه!!
ويبقى أن مشاعر الحزن والغضب لن ينهيها فقط سقوط حكومة لم يعد ممكناً تحمل فشلها المستمر، ولا محاكمة أشخاص تورطوا في جرائم فساد أو إهمال أو قتل.. ولكنها تستلزم مراجعة شاملة للسياسات التي أدت إلى ذلك، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه مصر بكل مؤسساتها الآن.
كاتب صحافي مصري