يدخل هذا المصطلح القاموس السياسي الجديد بكثير من الهيبة والوقار والحماس، حتى يندر أن تخلو منه المشاريع السياسية والمطارحات والمساجلات والوعود التي لا حدود لها، حتى بات الناس مطمئنين إلى صحوة المسؤولين، واعترافهم بفساد الصمت والتغطية على واقع الحال، وضرورة أن يكون سياق الواقع مكشوفاً، في حدود الممكن، ليستدل الجميع على ما يجري في أوساطهم السياسية والاقتصادية والثقافية، وشؤون حياتهم العامة .

وقد انتعش هذا المصطلح بعدما تعتّمت صورة الكثير من الأمور، وغامت ملامح الحقيقة، وصرنا نسمع شيئا من هنا، وعكسه من هناك، فالتبست علينا الأمور، ولم نعد نعلم من واقع الحال شيئا مما يكتنف حياتنا، ويهندس مصائرنا، ويمنحنا بعض الصفاء والوضوح والطمأنينة لنعرف موطئ أقدامنا .

وقد تنبّه ساستنا إلى هذه الثغرة الخطيرة في وعيهم السياسي، ورأوا أن استثمارها، وردمها، ولو بالكلام، يعيد لهم ثقة الناس، بعدما تلمسوا حدود المسافة بينهم وبينهم . فصار من توجهاتهم النقر على هذه الطبلة لإقناع مواطنيهم بكون الأمور الآن بين أيديهم، وعلى مرأى منهم، ولهم أن يشاركوا بحرية في اتجاهات حياتهم ومستقبلها . وعدوهم بأن الانتخابات ستكون(شفافة ) ، وكذلك المعاملات وإسناد الوظائف والميزانية والتحقيقات والمحاكمات، وكل شؤون الناس وقضايا الدولة؛ ستكون أصفى وأكثر شفافية من الكريستال.

و فرح الناس بهذه الانتباهة، وراحوا يقيسون سياق الأمور بهذه المسطرة الجديدة؛ ويحلمون بأنهم خرجوا من الهامش ودخلوا ساحة الانفتاح على الحقيقة، وصار بمقدورهم تأطير أحلامهم، ورصد أقدارهم، وهم يسمعون هذه النغمة المخدرة للأعصاب، والباعثة على الأمل، والمؤسسة لوهم جديد من أوهامنا التي لا تنتهي . فماذا رأوا رأوا، مثلما رأيت في يوم واحد من هذا الأسبوع، هذه العينات (الشفافة) التي اقتنصتها من الصحف في أكثر من بلد عربي: ـ مسؤول رفض الكشف عن هويته لحساسية الموضوع، قال ...

ـ ومن جهته قال رئيس مجلس النواب أن «هناك سبعة بنود خلافية تتطلب تعديلات عليها » لكنه لم يحددها .

ـ لكن ضابطا برتبة عميد طلب عدم ذكر اسمه قال..

ـ لكن مصادر ذكرت أن تعليمات صدرت لتلك لصحف بعدم التطرق إلى الوثيقة ونشرها .

ـ مصدر في مكتب توزيع نفط (.) فضل عدم الكشف عن اسمه قال..

ـ وحذر مسؤولون لم تسمهم الصحيفة .

ـ إلقاء القبض على احد ضباط الوزارة إضافة إلى عشرة من منتسبيها من دون أن يفصح عن أسمائهم .

- وكشفت مصادر متطابقة، في بغداد ومنظمات عراقية إنسانية طلبت عدم ذكر اسمها ( لا ندري أهي المصادر أم المنظمات ).

ـ من جانبه، قال محلل اقتصادي فضل عدم ذكر اسمه..

وهكذا؛ كلهم مسؤولون كبار وقادة ونواب ومصادر مقربة من صناع القرار، وصحف مرموقة، وثقنا بهم وانتظرنا منهم الإفصاح عما يدور في الوسط السياسي مما يهمنا في حياتنا ومصالحنا ومستقبلنا، فإذا بهم مختبئون وراء (عدم الكشف عن اسمه) ، ونحن لا نعرف أسماءهم ولا أشكالهم ولا قيمتهم، ويريدوننا أن نصدّق بأن الأمور (شفافة) لا يعكرها غبار !.

هذه (العتمة) التي يسمونها (شفافية) ويغدقون علينا من فضائلها ما يخدّر مشاعرنا، وينعش آمالنا بسلامة الأمور، ويوهمنا بأننا على علم بما يدور؛ لا صحة لها ولا أساس إلا بمقدار ما لا قيمة له مما يُسمح به دون ( الكشف عن اسمه)؛ والدليل على ذلك تناطح الأفكار، وتناقض التصريحات، والضبابية والتعتيم في المواقف والمسؤوليات، والتدليس وإخفاء الحقائق، كل ذلك باسم (الشفافية) التي لا تشف إلا عن جهلنا بما يجري، واحتماء أرباب القرارات الغائمة، والمموّهة، بحاجز ( عدم الكشف عن اسمه ) !

كاتب عراقي

mohammed_saggar@yahoo.fr