كان الاعتقاد السائد أن الشرق الأوسط هو المنطقة الأخطر، لأنه يقف على شفير انفجارات مدمّرة. فجأة بدا أنه ليس وحيداً في هذا الموقع. ساحات دولية كثيرة باتت مرشحة لدخول، وبعضها دخل، هذه الدائرة.

الحروب المتنوعة تسارع اشتعالها، في الآونة الأخيرة، كالنار في الهشيم وعلى أكثر من جبهة. من حرب الأعصاب على المسرح الأوروبي، إلى انفجار حروب الحدود والأقليات في القوقاز؛ وأخيراً حرب السفراء، التي اندلعت، بين الأميركيتين. تشكيلة واسعة من الصراعات المتفجرة، طفت على السطح تباعاً.

وكلها تتقاطع، مباشرة أو غير مباشرة، مع خيوط الأزمة المتفاقمة، بين الخصمين القديمين - الجديدين؛ موسكو وواشنطن. لعبة عضّ على الأصابع جارية بين الاثنين، منذ حين.

كانت مكبوتة. الآن، بعد أن بلغت مداها، طلعت إلى العلن مرة واحدة. بداية تحمل الكثير من ملامح الحرب الباردة. وربما تأخذ تصدّعاتها منحيً أشد ضراوة وأوسع مجالاً، قبل أن يصار إلى كبحها. الذي حصل في جورجيا عيّنة على ما يمكن أن تكونه التداعيات، لو بقيت الأمور تتفاعل بالوتيرة الحالية وبطريقة الفعل وردّ الفعل. واشنطن يبدو أنها أخطأت الحسابات.

تمادت في مطاردتها للدب الروسي ومحاولة حشره في الزاوية. اندفعت أكثر من المقبول، روسياً، في توسيع الناتو. بل أن التوسيع كاد أن يتحول إلى ما يشبه الحصار لموسكو.

وصل الحلف إلى تخومها، في الوقت الذي غاب عن الوجود السبب السوفييتي، الذي من أجله قام الناتو أصلاً. ثم تواصل التمادي، بقرار نشر الدرع الصاروخية، في التشيك وبولندا. على أبواب روسيا. وفي الوقت الذي كان التوتر يتراكم ويرتفع منسوب الاحتقان، وقع الخطأ الجورجي القاتل.

في أعقابه كرّت حبّات السبحة، وتبدلت المواقع. الروس انتقلوا إلى موقع الهجوم، على الأرض كما على مستوى الخطاب. تحدثوا عن نهاية عصر «الهيمنة الأميركي». رسموا «حدود مصالح روسيا ومداها في العالم». جدّدوا المناورات البحرية، على مقربة من المياه الإقليمية الأميركية. وافقوا على مناورات مشتركة مع البحرية الفنزويلية.

في اللحظة نفسها عاد التشدّد والتصعيد إلى ملفات أخرى، كانت قد شهدت درجة عالية من التبريد؛ كالملف النووي الكوري الشمالي. وبالتزامن اشتعلت حرب السفراء، بين واشنطن وثلاث دول في أميركا اللاتينية. ويبدو أن الأزمة الروسية الأميركية، أرخت بظلالها على هذه الحرب الأخيرة، وأعطتها شحنة من التصعيد. المسرح الدولي يشهد عملية استقطاب متسارعة ومكثّفة. هشاشة أوضاع منطقتنا، تجعلها عرضة لتوسيع رقعة الاختراقات فيها.

هي الآن بالكاد قادرة على التعايش مع ما تعاني منه وتكابد. لا تحتمل هزات التجاذب الجاري، المرشحة أن تكون هي إحدى ساحاته. ترتيب البيت الداخلي وبسرعة، خاصة البيوت السريعة العطب فيها، يوفر الحصانة اللازمة، التي بدونها لا تقوى المنطقة على الإفلات من دفع جزء كبير من فاتورة صراع الكبار، المتوالية فصوله، وحتى إشعار آخر.