مع حلول الذكرى الخامسة عشرة لاتفاقيات اوسلو بكل تداعياتها ونتائجها سواء على القضية الفلسطينية أو الوضع الداخلي الفلسطيني فقد احسن الرئيس عباس صنعاً عندما اكد بهذه المناسبة مجدداً على تمسك الكل الوطني الفلسطيني بحل الدولتين وبالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومطالبته اسرائيل بالاعتراف بمسؤوليتها عن نشوء قضية اللاجئين ومطالبتها بحل مرض لهذه القضية التي تشكل المحور الرئيسي للقضية الفلسطينية وادانته للاستيطان والحواجز والاجراءات والمواقف الاسرائيلية التي تعيق التقدم نحو الحل الشامل.
خمسة عشر عاما مضت بين الامل الكبير الذي احدثته هذه الاتفاقيات مع الإعلان عنها وتوقيعها وبين الطريق المسدود الذي اوصلتنا اليه اسرائيل بمواقفها المتشددة وممارساتها وتهربها من عملية سلام جادة وهو ما دفع الرئيس عباس إلى الإعراب عن شكه في امكانية التوصل إلى اتفاق قبل نهاية العام خاصة وأن الجانب الاسرائيلي لم يقدم ردودا على المقترحات والافكار الفلسطينية بشأن القضايا الست الرئيسية المطروحة على مائدة المفاوضات.
وفي الحقيقة فإن الخلل الرئيسي في عملية السلام لا يكمن بالاتفاقيات نفسها ولا بنوايا الجانب الفلسطيني الذي قدم تنازلات مؤلمة على امل الوصول الى حل سلمي وتجنب المزيد من دوامات العنف وسفك الدماء بل يكمن اساسا في حقيقة النوايا الاسرائيلية التي عبرت عنها الحكومات المتعاقبة منذ عهد رئيس الوزراء الاسبق اسحق رابين مرورا بحكومات بيرس ونتنياهو وباراك واخيرا اولمرت ، تلك الحكومات التي اثبتت انها لا تمتلك الشجاعة لصنع السلام الحقيقي ودفع استحقاقاته فلجأت إلى المماطلة والتسويف واختلاق الذرائع للتهرب من عملية السلام من جهة وكي تطبق على الارض مخططاتها التي تتناقض مع السلام.
كما أن احد الاسباب الرئيسية التي ادت إلى فشل اتفاقيات اوسلو في تحقيق السلام المنشود يكمن في الدور الذي مارسته الولايات المتحدة واوروبا في عملية السلام والآلية التي تم انتهاجها سواء ما يتعلق بغض الطرف عن الممارسات والمواقف الاسرائيلية التي نسفت بالمحصلة جوهر عملية السلام او عبر تقديم الحماية لاسرائيل في مجلس الامن والمنظمات الدولية وهو ما عزز القناعة لدى الجانبين الفلسطيني والعربي بانحياز الولايات المتحدة لاسرائيل مما شجعها على المضي قدما في تنفيذ سياسات الاستيطان وبناء الجدار وتقويض السلطة الوطنية والحصار وحملات الدهم والاغتيالات والاعتقالات...الخ.
كما أن اوروبا التي تتحمل مسؤولية تاريخية ايضاً في نشوء القضية الفلسطينية لم تلعب دورا فاعلا في الضغط على اسرائيل وبقيت مواقفها تراوح بين الدعم المالي والانتقادات الخجولة للاستيطان دون أن تتخذ مواقف حاسمة كما فعلت في صراعات دولية اخرى وهو ما عزز القناعة بازدواجية المعايير التي تتعامل بها الولايات المتحدة واوروبا مع الشرعية الدولية والقضية الفلسطينية تحديدا.
وللأسف الشديد فإن أهم التداعيات للسنوات الخمس عشرة الماضية كانت ترسيخ الاعتقاد لدى الشعب الفلسطيني بأن التنازلات المؤلمة التي قدمتها قيادته التاريخية والاستعداد للتفاوض ونبذ العنف لم تؤد سوى إلى مزيد من التشدد الاسرائيلي على مرأى من العالم اجمع ، مما اسهم في احداث حالة الانقسام التي يعاني منها الشعب الفلسطيني ، ولم تقدم اسرائيل او المجتمع الدولي ما يثبت احترامها للرغبة الفلسطينية الصادقة في عملية السلام ، ولم يتجاوبا مع المبادرات الفلسطينية والعربية إلى أن وصلت إلى الطريق المسدود.
واخيراً وفي هذه المناسبة يتضح اكثر فأكثر أن الشعب الفلسطيني ليس امامه من خيار سوى استعادة وحدته الوطنية والتمسك بحقوقه المشروعة ورسم استراتيجيته المقبلة لتحقيق هذه الحقوق . واذا كان هناك من لوم او مساءلة حول فشل عملية السلام فمثل هذا اللوم يجب ان يلقى اولا على اسرائيل ثم على الولايات المتحدة واوروبا اللتين لم تفعلا ما يكفي لضمان تحقيق السلام.
