«اذهب أنت وربك فقاتلا، إنّا ها هنا قاعدون»، قولة مأثورة واعتذار بذيء ومحاولة فاشلة للتهرب من المصير القدري الذي وجد قوم موسى عليه السلام أنفسهم في مواجهته عن طريق الانزواء وراء عجزهم وضعفهم، فإذا بقولتهم تلك تتحول إلى عار مأثور، لأن الوهن وعدم تكافؤ ميزان القوى ذرائع لا محل لها من الإعراب في معجم الحياة، وعملة غير قابلة للصرف في معترك الواقع ولو كانت الغايات أو الأهداف أو النتائج المأمولة أشبه ما تكون بالمستحيل.
لقد استحالت قولة بني إسرائيل عارا أبديا لا بسبب تكذيبهم للوعد الإلهي، بل بسبب انطفاء إرادتهم واضمحلال الدافع التغييري الذي جعلهم يستمرئون السكوت على المذلة، والإحجام والخوف من المغامرة واستجداء المخرج من مأزقهم بيد الغير لا بيدهم؛ بتعبير آخر، لقد كانت قولتهم هروبا مشينا من المواجهة ومن العمل ومن تحمل المسؤولية.
ولو أنهم اعتذروا عن الخروج لقتال أعدائهم لانشغالهم بعمل آخر، فلربما تجاوز الله عن جبنهم ورعونتهم، ولكنهم اعتذروا بأردأ ما يمكن أن يقبله فرد واحد لنفسه فكيف بأمة بأسرها وهي تواجه مصيرا تاريخيا حاسما: «إنا ها هنا قاعدون»، أي لا يصنعون شيئا، إلا أن يقعدوا وينتظروا فإذا جاءت النتائج التي صنعها غيرهم إيجابية تكالبوا على أخذ نصيبهم منها، وإن كانت خلاف ذلك لم يخسروا شيئا، إنها منتهى السلبية الغارقة في التحجر والاتكالية والاعتماد في إحداث التغيير أو في الخروج من المأزق على الغير القادم من المجهول.
المثير في واقعنا المعاصر أنه برغم كل شحنات الطاقة التغييرية الكامنة في قيم الإسلام ومبادئه، ورغم كل عمليات بناء الشخصية المتحفزة التي تدور حولها مفاهيم هذا الدين، والتي يفرغها في ضمائر أفراده ومجتمعاته ويدعوهم إلى التمرد على الواقع المتأزم ورفض الأخطاء المصيرية أو عدم الاستسلام لها، إلا أنه حدث تبادل للأدوار، وتسللت عدوى نظرية انتظار «المخلّص» أو «اذهب أنت وربك فقاتلا» إلى خلايا العقلية المسلمة وأصبحت جزءا من مكوناتها الأساسية.
لقد بلغ المدى بمشاعر انهزام المجتمع المسلم أمام الواقع أو بالأصح «القدر المحتوم» إلى حد التعايش معه بل واعتناق فكرة استحالة الخروج، وربما نبذ منتقديه أو القائلين بفكرة المحاولة، لأن المجتمع المسلم المعاصر اعتبرها تكذيبا لفكرة أو عقيدة انتظار «المخلّص»؛ وذهب الأمر به إلى أبعد من ذلك بالاستغراق في اعتناق النظرية وتطبيقها على كل مفردات الحياة اليومية وكأنها «مسكّنات» أو «معلبات» تحتوي حلولا جاهزة وسريعة التحضير بدءا بالقضايا العظمى للأمة كالاحتماء في ظلال أحذية الجيوش الأجنبية مما أسموه معاهدات الحماية، إلى استنساخ تجارب الأمم المتقدمة بحلوها ومرها أي بعسلها وقمامتها مما أسموه نقل التجارب الحضارية، هذا مع علمهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أسماه «دخول جحر الضب»، كناية عن سيطرة عقدة النقص الفكري وفكرة التقليد الأعمى ولو بدخول جحر الضب المعروف بفقره من أتفه الفوائد، ورغم ذلك لم يتراجع المجتمع المسلم عن جريمة الكذب على نفسه بعد كل هذه القرون التي طحنت بين أضراسها كل تلك الأجيال التي قضت نحبها، ولم يتحقق من الأمل الموهوم مثقال ذرة.
ويلاحظ استحكام نظرية المخلص في إطلاق المسلمين على أبنائهم منذ مئات السنين أسماء «عمر» و«خالد» و«صلاح» وغيرهم من الأبطال والرموز، ولكن كم نسخة أخرى من «عمر بن الخطاب» أو من «عمر بن عبدالعزيز» وكم نسخة أخرى من «خالد بن الوليد» أو من «صلاح الدين الأيوبي» ظهرت من بين أظهر تلك الملايين وربما المليارات من «العمّار» أو «الخوالد» أو «الصُّلاّح» لتقود الأمة المسلمة للخروج من مآزقها وأزماتها؟
النتيجة ما زالت حتى الآن فراغا بحجم خيبة الأمل التي تترعرع في النفسية المسلمة مع مرور كل ثانية من زمن التاريخ، لماذا؟ لأن المجتمع المسلم المعاصر «قعد» منتظرا ولم «يذهب» ليعمل كما عمل المجتمع القديم على تكوين أو إيجاد أو تربية الإنسان القادر على مبادرة التغيير أو التمرد على الواقع.
نظرية انتظار «المخلّص» أو «الحلول المعلبة» تناسلت منها بالتبعية نظرية أخرى أشد منها دمامة وقبحا، إنها نظرية «فعل الزمن» أو «إنّا ها هنا قاعدون» فما لن «يتغير» بالحلول الجاهزة أو المعلبة على يد «المخلّص» لأن موعد ظهوره لم يحن بعد، فإنه سيتغير «بفعل الزمن»، وهكذا ظهرت في الأمة الأخطاء والمآزق والأزمات والمشكلات بكل أنواعها وأشكالها حتى أعادت الأمة إلى أسافل قيعان التخلف والانهيار، ومع ذلك لا تحرك الأمة ساكناً إلا انتظار الزمن في همة مثيرة للغيظ، وتلوك عبارة: «سبحان الذي يغير ولا يتغير» بلا استحياء من وضع هذه الكلمة العظيمة في غير موضعها على طريقة كلمة حق يراد بها باطل.
وعلى إيقاع هذه الاتكالية وهذا الخمول العقلي والنفسي، عششت الكثير من الانحرافات في ممارسات المسلمين أفرادا وجماعات، فاكتساب العلم والمعرفة مثلا عند أجيالهم الناشئة إذا لم تتأت بالجدية في الدراسة والمثابرة والسهر وتفعيل القدرات التفكيرية، فلا بأس من استخدام وصفة «المعلبات» أو الغش في الامتحان لأنها «المخلّص» أو أقصر الطرق.
كما أن الثراء عندهم إذا تباطأ بآليات الاستثمار والإنتاج والعمل، فلا بأس عندهم من استخدام الوصفات السريعة «المعلبة» بأي وجه من الوجوه المباحة وغير المباحة؛ أما استخدام معلبات «الواسطة» ذات الحلول السريعة والفعالة من قبل الوصوليين وغير المستحقين من أجل الاستباق إلى المناصب وقضاء الحاجات وحرمان المستحقين مما هم أولى به، فهو مما لا يحتاج إلى إسهاب أو حشد للأدلة؛ والعجيب أن كل هؤلاء يجدون للمجازفة بانحرافاتهم وفواحشهم ما يشاءون من الأعذار والمبيحات، ولا يجدون لاستقامتهم ونهوضهم من كبوتهم سببا أو مبررا واحدا يستحق التضحية.
وإذا كان أصحاب الحيل من أبناء الأمة قد استباحوا كل الوسائل المتاحة من تلك المعلبات الزمنية، فإن من ردتهم بقية باقية من الأخلاق، قد أتاحت لهم عقلية المعلبات الزمنية وسائل بديلة، إنه حل الأزمات والمآزق والمشكلات ورفع البلاءات - أيا كان نوعها - بالدعاء والتوسل والتضرع لدرجة التعلق بالأحجار والأشجار والأضرحة، دون تحريك أي ساكن أو بذل أي جهد ممكن من جهود الأخذ بالأسباب التي لم يتخل عنها محمد صلى الله عليه وسلم منذ بعثته وإلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، وكأن من قال للأعرابي الذي كان يتضرع إلى الله لإبراء بعيره «هلا خلطت دعاءك بشيء من القطران» شخص آخر غير الخليفة الملهم عمر بن الخطاب.
ولأن الإرادة هجوم معاكس ضد نظرية المخلّص، كما أن رغبة التغيير نسف لفكرة فعل الزمن، فإن الأمة التي لا تمتلك هذه الأدوات الحاسمة تظل خياراتها محدودة ومحصورة في المحافظة على الحد الأدنى من المكتسبات أو الخروج بأقل الخسائر، وهذا ما يجعلها تستعيض عن نقص المعرفة التي هي شرط الإرادة بالتخلف أو التراجع إلى الوراء انتظارا لمجيء المخلّص، أو تستعيض عن نقص العمل الذي هو شرط الرغبة للتغيير بالجمود أو القعود حتى ينوب عنها الزمن لفعل ما لم تتجاسر على فعله.
كاتب إماراتي