بعد توقيع مذكرة المصالحة بين الفئات المتنازعة في طرابلس أصبحت الظروف مواتية لبدء حوار وطني لبناني موسع بين مختلف الأطياف السياسية من أجل الوصول إلى صيغ مشتركة يتفق عليها الجميع وتكون عنوانا للمرحلة القادمة وهذا ما دعا الرئيس ميشيل سليمان إلى الإعلان عن بدء هذا الحوار في السادس عشر من هذا الشهر في القصر الجمهوري وبرعايته وقد تفاءل اللبنانيون كثيرا بهذا الإعلان بعد الأيام الصعبة التي مرت عليهم .
لكن يبدو أن هناك أيد تلعب في الخفاء ويهمها أن لا يستقر هذا البلد الذي ما زال يلملم جراحه فدبروا عملية إغتيال المرحوم صالح العريضي أحد زعماء المعارضة اللبنانية وأحد أقطاب الحزب الديمقراطي اللبناني الذي يتزعمه طلال أرسلان وعضو المكتب السياسي في هذا الحزب وذلك عن طريق تفجير سيارته في منطقة عاليه .
حوادث الإغتيال التي حدثت في لبنان خلال السنوات الماضية كانت في معظمها تستهدف بعض رموز الموالاة أما حادثة عاليه فقد استهدفت أحد رموز المعارضة وهذا يعطي مؤشرا واضحا على أن هناك أيد خفية لا تريد الإستقرار للبنان ولا تريد أن ينجح الحوار الوطني وهدفها أن تزرع بذور الفرقة بين اللبنانيين .
الزعماء السياسيون اللبنانيون من مختلف الأطياف السياسية شجبوا حادثة الإغتيال هذه وأدانوا كل من يقف وراءها وأعلنوا بأن الحوار الوطني اللبناني سيبدأ في موعده مهما حاول البعض إفشاله وهذا يدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الزعماء توصلوا إلى قناعة تامة بأن عليهم أن ينقذوا بلدهم من الهاوية التي كان يقف على حافتها وأنهم في النهاية يجب أن يتوصلوا إلى صيغ مشتركة تكون نبراسا لهم بحيث يعود لبلدهم وجهه الحقيقي بعد أن يستعيد عافيته السياسية والإقتصادية .
لقد عانى لبنان كثيرا خلال سنوات الحرب الأهلية ودفع ثمنا غاليا من دماء أبنائه وتكبد خسائر مادية قدرت بمليارات الدولارات واضطر عدد كبير من مواطنيه إلى الهجرة بسبب ظروف الحرب القاسية لكنه إستعاد بعض عافيته بعد سنوات التسعينيات من القرن الماضي لكن بعض زعمائه تعرضوا لعمليات إغتيال مدبرة ومع ذلك إستطاعت المقاومة الوطنية اللبنانية تحرير الجنوب وأجبرت الإسرائيليين على الإنسحاب وظلت الأطياف السياسية متفقة على أسلوب الحكم حتى جاءت الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 2006 ودمرت قسما كبيرا من بنيته التحتية وقد أثارت هذه الحرب جدلا كبيرا بين السياسيين اللبنانيين حول أسبابها ونتائجها وهذا الجدل أدى إلى إحتدام الخلافات وإنسحاب وزراء المعارضة من الحكومة .
بعد ذلك إحتدمت الخلافات السياسية وبدأت حرب إعلامية بين فئات المعارضة وفئات الموالاة إلى أن تحولت هذه الخلافات مع الأسف إلى قتال شوارع حيث سقط عدد لا بأس به من المواطنين اللبنانيين .
بعد أن تردت الأوضاع في لبنان عقدت الجامعة العربية إجتماعا على مستوى وزراء الخارجية وتمخض هذا الإجتماع عن دعوة الفرقاء اللبنانيين إلى لقاء الدوحة وتم الإتفاق على إنتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية الحالية التي ستعد لإجراء إنتخابات نيابية
حادثة الإغتيال التي ذهب ضحيتها المرحوم صالح العريضي والتي أدينت من قبل جميع الزعماء اللبنانيين يجب أن لا تؤثر على الإستعدادات الجارية لبدء الحوار الوطني ويجب أن يتجاوز اللبنانيون محنتهم وأن يكونوا أقوى من كل أعداء لبنان الذين يتربصون به وأن يصلوا إلى صيغة يستطيعون من خلالها إنقاذ بلدهم حتى يكون قادرا على تجاوز محنته واستعادة عافيته وحتى يعود إقتصاده قويا كما كان في السابق ويعود أبناؤه الذين هاجروا إلى الخارج إلى وطنهم ولكي يظل اللبنانيون مثلا أعلى في التعايش بين جميع فئاته ويكون مثلا للجميع في هذا التعايش .
