العنصر النووي صار إحدى القضايا الأكثر سخونة في العالم وإثارة للنقاش والانقسام والمخاوف فيما المطالب تزداد عليه تحت عناوين مختلفة. في الشرق الأوسط صار العنصر النووي القضية الإستراتيجية المركزية في المنطقة وعنوان الصراع الأميركي الإيراني الذي يغذي ويتغذى على صراعات أخرى كما صار أحد المصادر الأساسية للتوتر الإقليمي.

وفي العالم كانت أزمة النووي الكوري الشمالي التي وجدت طريقها الى تسوية تتسم ببعض الهشاشة والضعف لكنها تمثل تحولا في طبيعة الأزمة، كانت إحدى العناوين الرئيسية في القضايا الدولية الساخنة وبمثابة نموذج للدبلوماسية المتعددة الأطراف التي تشارك فيها قوى كبرى لإطفاء حريق محتمل في المسرح الأسيوي. والمثير للاهتمام أن تسوية الأزمة الكورية، رغم ما اشرنا اليه من هشاشة، تعتبر نموذجا يمكن الاقتداء به في الحالة الإيرانية.

وللتذكير أيضا فان التسعينات كما العقد الأول من هذا القرن شهدا انتشارا نوويا بسمات مختلفة. ساهم في ذلك تفكك الاتحاد السوفييتي وقيام سوق سوداء نووية وتشجع دول بعد الحرب الباردة بغياب عناصر التقييد التي كانت تطبع نظام الحرب الباردة، في بيع النووي لأسباب سياسية او اقتصادية.

ولكن من جهة أخرى يمكن الملاحظة أن عددا من الدول التي ذهبت باتجاه الخيار النووي العسكري أو امتلكت ذلك الخيار تراجعت عنه وأسقطته ومنها البرازيل والأرجنتين وجنوب افريقيا، وكذلك بعض الدول المولودة من رحم الاتحاد السوفييتي.

وعند الحديث عن النووي تبرز بشكل ساطع وواضح وفج، مسألة الكيل بمكيالين في السياسة الدولية ولا أدل من ذلك من التعامل الدولي أو تحديدا السكوت والتطنيش الدولي عن إسرائيل التي تمتلك 150 رأسا نوويا على الأقل وهي غير منضمة الى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية مقابل التركيز على إيران المنضمة إلى المعاهدة والتحذير والهلع من مخاطر امتلاكها مستقبلا لنووي عسكري دون ان يعني ذلك عدم القلق بالطبع من الانتشار النووي في الشرق الأوسط.

لكن العلاج الفعلي لا يكون عبر سياسة الكيل بمكيالين. مثال اخر على هذه السياسة الاتفاق النووي الأمريكي مع الهند العام الماضي والهند غير منضمة الى المعاهدة وتمتلك السلاح النووي. وقد رأت واشنطن في إطار تطوير علاقاتها الاستراتيجية مع الهند بضرورة القبول بالفصل النظري بين البرنامج النووي المدني والبرنامج النووي العسكري ومساعدة برنامجها المدني.

وهذا مثال آخر على فجاجة سياسة الكيل بمكيالين وهرطقة المعايير مما يضعف حاليا ومستقبلا قدرة المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة والأجهزة والهيئات الخاصة على وقف الانتشار النووي لأهداف عسكرية وعلى ضبطه وتنظيمه.

وتبقى هنالك مفارقة مهمة في هذا الصدد قوامها أنه بقدر ما أن هناك خوفا وحذرا من النووي العسكري وإمكانية سقوطه في أيدي جماعات إرهابية بقدر ما أن هنالك مزيد من الحاجة ومزيد بالتالي من الطلب على النووي المدني لأسباب عدة منها ارتفاع أسعار الطاقة والحاجة الى مصادر جديدة للطاقة وكذلك الى طاقة نظيفة، ومن سمات هذه المفارقة سهولة الانتقال او التهرب ربما من الرقابة في عملية التحول عبر التخصيب من النووي المدني الى النووي العسكري.

مفارقة أخرى مثيرة للجدل لابد أيضا من التوقف عندها وهي ان العديد من الدول تبحث عن النووي العسكري حصولا على الضمانة الأمنية وقدرة الردع ولكن أيضا لأسباب غير عسكرية او أمنية وهي الحصول على المكانة الإقليمية او الدولية ودخول نادي الكبار.

وبقدر ما ان ذلك يبدو مصدرا للقلق الدولي بقدر ما ثبت حتى الآن ان امتلاك الخيار النووي خاصة اذا امتلكته قوى متخاصمة او متنافسة يساهم ليس فقط في ردع الآخر بل في الردع الذاتي ويؤدي الى الاستقرار باعتبار ان الدول النووية تشعر بمسؤولية خاصة ومخاوف كبيرة فيما لو لجأت اليه ضد قوة نووية أخرى.

ومن الأمثلة على هذا الوجه الآخر للنووي العسكري عندما يمتلكه المتخاصمون الحالة الهندية الباكستانية التي منعت حربا مباشرة بين الطرفين منذ حصولهما على النووي وسمحت بحروب بديلة وبالواسطة وحالة ميزان الرعب الذي كرس الاستقرار خلال الحرب الباردة بين القوتين العظميين وقام على مفهوم قدرة التدمير المتبادل والمؤكد. لكن يبقى الخوف قائما من حسابات خاطئة او انزلاق الى مواقف يصعب الرجوع عنها أو الى وجود قيادات غير عقلانية او الى حصول حوادث مثل شرنوبيل.

المثير للاهتمام أيضا في مسالة النووي العسكري ما صدر هذا العام في شهر يناير من وثيقة لرؤساء أركان غربيين سابقين دعوا فيها الى تغيير استراتيجي في دور النووي من الردع الى القتال ناصحين بالتحول من التهديد باستخدام النووي كوظيفة ردعية الى استخدامه في إستراتيجية وقائية تلافيا لحصول نزاع كبير او نزاع يتصاعد ولا يمكن احتواؤه. خطورة هذا المنطق انه يخلق حالة من اللا استقرار في النظام النووي الردعي ويضعف مفهوم الردع ويدعو الى اللجوء السريع أحيانا الى هذا الخيار.

النقطة الأخرى هي الدعوة التي صدرت عن عدد من الشخصيات الدولية ومنها وزراء خارجية ودفاع اميركيين سابقين يدعون فيها لإقامة عالم خال من الأسلحة النووية عبر اتخاذ خطوات عملية معينة تطلقها الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية.

المثير للاهتمام هو صدور رؤيتين متناقضتين حول العنصر النووي العسكري من شخصيات كانت في مواقع حساسة وعالية في دول نووية ، واذ يبدو مثاليا الحديث عن عالم خال من الأسلحة النووية، لكن ما يمكن البدء بفعله هو قيام مبادرة من الخمس الكبار وبالأخص من واشنطن وموسكو من اجل تخفيض تدريجي للترسانة النووية ومن اجل الدفع باتجاه بلورة معايير دولية للتعامل مع النووي العسكري والخروج من سياسة الكيل بمكيالين التي تشكل أهم حليف للانتشار النووي وتعزيز دور الهيئات المختصة.

وبالأخص الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتشجيع إقامة مشاريع مشتركة للنووي المدني تساهم في إنتاج طاقة المستقبل للدول التي تحتاجها، خاصة اذا تذكرنا ان عدد هذه الدول يزداد مع الوقت كما ان الحاجة الى هذه الطاقة يزداد أيضا في ظل بيئة دولية تزداد وتتنوع فيها النزاعات.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr