يعود الجدل داخل الحركة الإسلامية حول زمنية الإصلاح، أو الوقت الذي من المفترض أن يستغرقه، إلى نهاية القرن التاسع عشر، حيث اللحظة التي ولدت فيها حركة الإحياء الإسلامي على كفي جمال الدين الأفغاني، وتلميذه محمد عبده. فالأول كان يؤمن بأن الإصلاح يمكن تحصيله في التو، شرط العمل من أجل بلوغه، أما الثاني فرأى أن الإصلاح عملية متدرجة، تتحقق بعد مدة، ولذا هادن الاستعمار الإنجليزي، خارجا على ثورية أستاذه الذي نادى بالكفاح ضد الاحتلال.

وخالف محمد عبده الزعيم أحمد عرابي الرأي حول التحول إلى الحكم النيابي الدستوري، محبذا البدء بالتربية والتعليم لتكوين رجال قادرين على القيام بأعباء الحكم النيابي، وتعويد الناس على البحث في المصالح العامة، بما يقود في نهاية المطاف إلى حمل الحكام على العدل والإصلاح.

وبلور محمد عبده، بشكل أكثر جلاء، رؤيته المنحازة إلى التدرج في الإصلاح في طلبه من الأفغاني، وهما في باريس عام 1883، أن يذهبا سويا إلى مكان غير خاضع لسلطان دولة تعرقل مشروعهما الإصلاحي، ليؤسسا مدرسة للزعماء، يختارا تلاميذها من الأقطار الإسلامية، ويقوما بتربيتهم لمدة معينة، يصبحوا بعدها مؤهلين لقيادة الإصلاح في بلدانهم.

لكن الأفغاني، الذي كان سياسيا واقعيا، رفض هذه الفكرة «الطوباوية»، والتي أعيد إنتاجها، بشكل مختلف، ولمقصد مغاير، داخل الحركة الإسلامية الراديكالية ، خاصة لدى تنظيم «جماعة المسلمين»، المعروف إعلاميا باسم التكفير والهجرة، وهي في كل الأحوال تتأسس على تأويل ذاتي لحدث الهجرة النبوية الشريفة، ينزعه من سياقه التاريخي والاجتماعي.

وما بين الأفغاني ومحمد عبده من اختلاف في تقدير زمنية الإصلاح يعود في نظر العقاد إلى «اختلاف الفطرة والاستعداد بين هذين الإمامين العظيمين، فأحدهما خلق للتعليم والتهذيب، والآخر خلق للدعوة والحركة في مجال العمل السياسي والثورة الأممية».

وربما وزعت الفطرة كلا منهما على مسلك مغاير للآخر، فالأفغاني يعول على الجماعة، وينادي بالثورة، ويمارس السياسة من أوسع أبوابها، ويقطع بعدم التعاون مع المستعمر، أما محمد عبده فيعول على الفرد، ويسعى إلى تأجيج العاطفة الدينية، ويتوخى التربية سبيلا إلى بلوغ الهدف ويكره على التوازي السياسة، فيستعيذ بالله من «ساس ويسوس»، ولا يرفض التعاون مع المستعمر إن كانت المصلحة تقتضي ذلك.

وإذا أخذنا الجماعات السياسية ذات الإسناد الإسلامي في مصر كدراسة حالة بوصفها الأقدم في العالم العربي نجد أنها تراكم على هذين المسلكين اللذين يعودا إلى الأفغاني ومحمد عبده، فوجدنا اختلافا بين نهج «الإخوان المسلمين» الذي يؤمن بالتدرج، ونهج «الجماعة الإسلامية» و«تنظيم الجهاد»، الذي يسعى إلى القفز إلى السلطة مباشرة. لكن الاختلاف حول «التدرج» و«القفز» لا يمثل لدى هذه الجماعات طريقة لدفع السلطة الموجودة إلى تبني الإصلاح، حسبما كان يرمي الأفغاني ومحمد عبده، لكنه يعني، ودون مواربة، اختلاف حول طريقة إزاحة هذه السلطة أو الحل محلها.

فالأخوان حين يتوسلون بالدعوة أو التربية الأخلاقية، فإنهم يقصدون بذلك تهيئة المجتمع لقبول حكمهم، والجماعات الإسلامية الراديكالية، على ما بينها من أوجه للاتفاق والاختلاف، لم تكن تقصد، حين حملت السلاح ضد النظام المصري، خاصة أواخر الثمانينات وحتى الربع الثالث من العقد الأخير للقرن المنصرم، الضغط على السلطة القائمة كي تصلح الأوضاع المتردية، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، بل على النقيض تماما، فهذا الإصلاح لا يصب في مصلحتها، لأنه يعني تقوية شوكة النظام القائم في مواجهتها، ومن ثم كان مقصدها هو إسقاط النظام واغتنام نفوذه وفرصه ومكانته.

لكن ربما تغيرت هذه الاستراتيجية مع انتهاء المواجهة المسلحة لصالح النظام، وتيقن بعض فصائل الحركة الإسلامية من أن طريق العنف لن يجدي كثيرا ضد حكم مدجج بركائز القوة المادية والمعنوية، ومن ثم راح «الإسلاميون» يطالبون بالديمقراطية، اعتمادا على أنها الوسيلة الأقل تكلفة والأكثر أمنا، لهم في السعي للوصول إلى السلطة.

من ثم لا يرضى «الإسلاميون»، الذين يفضلون العمل السياسي ولا يحبذون عسكرة الحركة الإسلامية، في الوقت الراهن بمنطق النظام الحاكم في مصر الذي يتبنى التدرج في الإصلاح نزولا على الظروف السياسية والاجتماعية، حسب ما يقال، فمثل هذه النهج، في نظرهم، يعني إرجاء الوسيلة «الشرعية» التي ينتظرونها للوصول إلى السلطة، تعويلا على أنهم يتمتعون بجماهيرية كبيرة، ومن ثم فإن صناديق الانتخابات ستتيح لهم تحصيل ما لم يتحقق بالنزال المسلح ضد السلطة.

وقد عركت التجربة الإخوان المسلمون»، فتيقنوا أن التأسيس البطيء لحكمهم، مسألة صعبة، في ضوء القيود القانونية والسياسية التي تفرض عليهم، وأنه لا بد لهم من أن يزاوجوا ، بين التحرك لدى «القاعدة»، والضغط على «القمة».

وهنا يطالب الإخوان المسلمون، بوصفهم الجماعة الأم والأكثر قدرة على التعبئة السياسية السلمية، بالسماح لهم بتكوين حزب سياسي، وفتح الباب أمام تعددية سياسية حقيقية، وإجراء انتخابات نزيهة وعادلة، بعد إلغاء قانون الطوارئ، اعتمادا على أن إجراءات من هذا القبيل ستتيح لهم فرصة ترجمة تواجدهم الاجتماعي إلى نفوذ سياسي مكافئ له، أو على الأقل إنهاء رحلة معاناتهم جراء فقدان المشروعية، والتي تجعل أعضاء الجماعة دوما في مواجهة حزمة من الاتهامات، التي تفضي بهم إلى محاكمة عسكرية، من قبيل العمل على الاستيلاء على الحكم وتغيير الأوضاع القائمة في البلاد بالقوة، والانضمام إلى تنظيم سري محظور، وحيازة مطبوعات تحوي عبارات تحض على كراهية نظام الحكم، وتحريض الجماهير ضده، وفتح قنوات اتصال بعناصر من الجماعات التي تمارس العنف.

ربما لا يكون انحياز الإخوان المسلمين إلى الديمقراطية أخيرا نابعا من اقتناع فقهي وفكري من مكتملين، لكنه إفراز لدرس تاريخي وعوه جيدا، وهو أن العنف سيقابل بعنف مضاد، لن يكون بوسعهم، في ظل تفاوت القدرات بينهم وبين الدولة، أن يتحملوه، بل إنه كفيل، وكما حدث في مرات سابقة، أن يعيد الجماعة خطوات إلى الوراء، ويفقدها حتى الأشكال التحايلية التي تتبعها في التغلغل الاجتماعي ومداراة السلطة أحيانا، ومن ثم فلا مناص من التوسل بالإجراءات التي تتيحها الديمقراطية، أي الميل في النهاية إلى التدرج في الإصلاح السياسي.

كاتب وباحث مصري

ammaralhas@hotmail.com