أخذت إدارة الرئيس بوش خمس سنوات وخراب بلد ومئات الألوف، من القتلى والجرحى والنازحين؛ فضلاً عن تفاقم العنف في المنطقة، التي باتت واقفة على فوهة بركان، قبل اعترافها بأنها «وصلت إلى نهاية اللعبة في العراق». وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، صاحب هذا الكلام أمام إحدى لجان الكونغرس، ربما أراد تسكين قلق الأميركيين؛ عشية انتخابات رئاسية، حامية الوطيس. حرب العراق، التي تقف غالبية الأميركيين ضدها، قد تكلف مرشح حزبه، جون ماكين، خسارة المعركة؛ لأنه وقف وما زال، إلى جانب الرئيس بخصوصها.
لكن بشارته هذه، إذا صحّ التعبير، ضبابية وفيها لعب على الألفاظ. فهو لم يحدّد سقفاً لما سمّاه «النهاية». الإدارة رفضت منذ البداية وباستمرار، الالتزام بأي جدول زمني، ولو تقريبي، للانسحاب وطيّ صفحة هذه الحرب. وهي لاتزال عند إصرارها هذا.
كما أنه لم يفصح عن طبيعة هذه النهاية. كل ما في الأمر أن البيت الأبيض قرّر سحب ثمانية آلاف جندي، مع حلول شهر فبراير المقبل؛ من أصل مئة وستين ألف جندي أميركي فوق المسرح العراقي. وذلك لا يرسم أفقاً واضحاً لخاتمة واضحة المعالم. مع ذلك فإن لكلام الوزير أهميته.
من جهة هو يأتي بمثابة اعتراف ضمني بأن حرب العراق كانت فعلاً ومن الأساس، « لعبة» انتهت بورطة . كما أنه بمثابة إقرار ضمني، أيضاً، بأن هذه «اللعبة» وصلت إلى الطريق المسدود. يشي ذلك بأن حالة الارتباك في البحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه؛ ما زالت قائمة.
اعتراف، ولو ملتوي، جاء بعد أوانه. بعد خراب البصرة. كما أتى قبل رحيل صاحبة هذه اللعبة المدمرة، بأشهر قليلة. بل يدلّ على أن إدارة الرئيس بوش، بقيت عازمة على التمسك بمقاربتها لهذه الحرب ونقل ملفها إلى الإدارة اللاحقة. كل ما تقوم به الآن هو وضع اللمسات الأخيرة على هذا الانتقال.
الحديث عن «نهاية»، لا ينطوي، ضمناً أو تلميحاً، أنها في وارد التزحزح عن معاندتها ومكابرتها؛ سواء لجهة الذرائع الملفقة التي اعتمدتها لتسويغ الحرب؛ أم لجهة وضع إطار لخاتمة هذه المغامرة، وتركها عائمة وحتى إشعار آخر.
الوزير الأميركي يتحدث عن «نهاية لعبة»، ضربت كلفتها أرقاماً قياسية. العراق تحوّل إلى كومة من الدمار. الديمقراطية التي وعد بها الرئيس بوش، انقلبت إلى النقيض، بعد مئات الألوف من الضحايا والجرحى والنازحين. وغزو الأوبئة؛ وآخرها الكوليرا. وحدة البلد تقف في مهب الريح.
والمنطقة، بفضل تلك الحرب باتت هي الأخرى تعيش هاجس الحروب والمواجهات العسكرية. لقد كانت فعلاً «لعبة». لكنها مدمرة وعلى من أطلق شرارتها أن يعترف بالخطأ والمسؤولية لا أن يكتفي بالحديث فقط عن نهاية غامضة وملغومة.
