قرار وزراء الخارجية العرب في ختام اجتماعهم بمقر جامعة الدول العربية أمس الأول بتشكيل لجنة وزارية تعنى بالتوصل إلى حل لمشكلة إقليم دارفور، يعبر عن حالة يقظة ووعي ورغبة في حلحلة القضايا العربية العالقة التي تهدد أمن واستقرار المنطقة بشكل عام والدول الأعضاء في الجامعة بشكل خاص، بدلاً من تركها بأيدٍ أجنبية تتلاعب بمصيرها وفقًا لمقتضيات مصالح القوى صاحبة تلك الأيدي أو تركها معلقة بدون معالجة.
كما يعطي القرار مؤشرًا إيجابيًّا على أن المسؤولين العرب بدأوا يدركون أن الاعتماد على غيرهم في حل مشاكلهم لن يؤدي إلى تحقيق ما يطمحون إليه، بل يعقد مسائل الخلاف ويعمق الجراح، خاصة وأن النوايا غير الحسنة والأطماع أصبحت ظاهرة للعيان وليست بحاجة إلى التدليل عليها، وأن ما تعانيه بعض الدول العربية من أزمات إنما هو نتاج لسياسات الغير الذي أُعطي مندوحة كبيرة ليلقي تعاليمه ويمارس مخططاته بأريحية مطلقة تدفعه إلى ذلك أطماعه فقط، لا مصالح تلك الدول، وبالتالي لا عجب أن يدس أنفه فيما يخص قضايا المنطقة ويتدخل في الشؤون الداخلية لدولها، بما يسمح له البقاء على أرضها ويمكنه من اغتنام الكعكة.
ولا يخفى أن ثروات المنطقة هي المحرك الأكبر لأطماع القوى الكبرى الساعية إلى تقوية اقتصاداتها، ويعتبر السودان أحد ضحايا الأطماع بما يمتلكه من ثروات نفطية وإمكانات زراعية يمكن أن تلعب دورًا في تعزيز المكانة العربية وإغناء الدول العربية عن اعتمادها على الواردات الغربية وتجنيبها عمليات الابتزاز والمساومة.
إن القرار بتشكيل لجنة عربية يعد فاتحة خير وبارقة أمل نحو تجنيب السودان عددًا من الأخطار يأتي في مقدمتها خطر التقسيم وتفتيته إلى دويلات الأولى في الشمال والثانية في الجنوب والثالثة في الغرب، ونجاح جامعة الدول العربية في حل الأزمة اللبنانية من خلال لجنة عربية شكلت في ختام وزراء الخارجية العرب في الخامس من يناير الماضي برئاسة قطرية، يفتح الطريق لأن تتمكن اللجنة المشكلة والخاصة بمعالجة أزمة إقليم دارفور من الوصول إلى نتائج حقيقية تمنع حالة الحرب والفقر والبؤس التي يكابدها سكان دارفور وتحقق السلام والأمان للسودان.
ولا ريب أن دعم القوى الدولية مطلوب لهذه اللجنة لإنجاح جهودها، مع استبعاد بعض القوى الطامعة التي تبحث عن سانحة لها لوضع أقدامها على ثروات السودان، لأن حضورها سيبدد تلك الجهود ويؤدي بها إلى الفشل، وما اتهامات لويس مورينو أوكامبو المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية للرئيس السوداني عمر البشير بارتكاب جرائم حرب في دارفور إلا دليل على وجود دوافع استعمارية تتلطى وراء مبادئ حقوق الإنسان والعدالة الدولية، في الوقت الذي تبذل فيه الخرطوم كامل طاقاتها لإحلال السلام.
إن أخذ العرب زمام المبادرة لحل كافة قضاياهم حان وقته، وهو أمر مطلوب في هذه الفترة، ولا يقبل التأجيل ولا بد من وجود رغبة حقيقية إن أرادوا الاستقرار والتنمية للمنطقة، رافضين الارتهان إلى الغير.
