قامت كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية قبل أيام قليلة بجولة في بلدان العالم العربي بدأت بليبيا وانتهت بالمغرب مرورا بتونس والجزائر .فلماذا هذه الزيارة؟...ولماذا الآن؟.
المؤشرات كثيرة على الاهتمام المتزايد الذي توليه الولايات المتحدة منذ سنوات ببلدان المغرب العربي. ولعلّ من الأكثر دلالة على هذا «الودّ» الأميركي مبادرة «الشراكة» التي أطلقتها واشنطن والرامية إلى تنشيط التطورات الاقتصادية والسياسية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ويتم الحديث ضمن نفس السياق عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والتربية وأشياء أخرى كثيرة تضمّنها الخطاب التقليدي للإدارة الأميركية الحالية.
وكانت الولايات المتحدة قد سعت من أجل إقامة منطقة حرّة لتنشيط التبادل التجاري مع بلدان المنطقة. وكإشارة سريعة كان قد تأسس عام 2002 المجلس التونسي ـ الأميركي في منظور تحرير التجارة والخدمات والاستثمار والملكية الفكرية.
وصفت رايس زيارتها لليبيا، محطتها الأولى في جولتها المغاربية، أنها «تاريخية». وهي فعلا تاريخية حيث أنها الأولى بعد 55 سنة من زيارة فوستر دالاس، آخر وزير خارجية أميركي زار ليبيا عام 1953 وبعد 35 سنة من غياب أي تمثيل دبلوماسي أميركي بين البلدين.
بكل الحالات وبغضّ النظر عن «تاريخيتها»، تشهد زيارة رايس لليبيا على «التغير» الكبير في العلاقات الليبية ـ الأميركية بعد عقود من الجفاء الذي لا تزال آثاره عالقة في الذاكرة.
صحيح أن الرئيس الليبي دعا رايس لتناول وجبة «الإفطار» معه ولكنه حدد مكانها في بناء كان الأميركيون قد قصفوه في عام 1986 وقتلوا 40 شخصا من بينهم ابنته بـ «التبنّي». ولم يصافحها عند وصولها بينما صافح مرافقيها.
وللتذكير فقط كان الرئيس الليبي قد قال في مقابلة له مع قناة الجزيرة في العام الماضي عن كوندوليزا رايس نفسها: إنني معجب جدا بها وفخور كون أنها امرأة سوداء من أصل إفريقي. بكل الحالات أمضت رايس في ليبيا ثماني ساعات، أي ثلاث ساعات إضافية لما كان مقررا في الأصل قبل أن تتوجه إلى تونس.
وفي تونس ثم في الجزائر والمغرب كان الاقتصاد هو أحد المشارب الأساسية في حديث وزيرة الخارجية الأميركية مع المسؤولين في هذه البلدان ولكن دون «أوهام» كبيرة. إذ لا يغيب بالتأكيد عن إدراك الأميركيين أن البلدان المعنية تقيم علاقات مميزة مع بلدان شمال البحر المتوسط الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا «القوّة الاستعمارية السابقة».
وعلى الصعيد الاقتصادي تحديدا هناك نسبة تقارب ال65 بالمائة من المبادلات المغاربية هي مع «القارة القديمة» أوروبا. تجدر الإشارة هنا إلى أن الحكومة المغربية كانت قد وقّعت اتفاقية للتجارة الحرّة مع الاتحاد الأوروبي ستدخل في حيّز التنفيذ في أفق عام 2015 كأجل أقصى.
ثمّ إن العلاقات الاقتصادية الأميركية ـ المغاربية قد تركّزت عمليا على قطاع النفط وخاصة مع الجزائر حيث «ملأ» الأميركيون «الفراغ» الذي كان الأوربيون قد تركوه أثناء موجة العنف والتفجيرات التي شهدتها هذه البلاد خلال عقد التسعينات الماضي.
بكل الحالات ليس الاقتصاد أو ليس هو أساسا، الذي يدفع الأميركيين نحو تعزيز علاقاتهم مع بلدان المغرب العربي. وليس أيضا مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان والإصلاح السياسي والتي كانت رايس قد أكّدت لوسائل الإعلام في مختلف محطات جولتها أنها قد طرحتها مع المسؤولين .
الدافع الأساسي للاهتمام الأميركي بمنطقة المغرب العربي هو في واقع الأمر ذو طابع أمني؛ وكانت الملامح الأولى لمثل هذا التوجّه قد ارتسمت بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001.
قبل تلك التفجيرات لم تكن الإدارات الأميركية المتعاقبة قد تعاملت مع بلدان المغرب كـ «كتلة» مهما كانت معايير التقييم؛ ولكن على أساس علاقات ثنائية و«قنوات». الأمر تغير بعد 11 سبتمبر، وجاء المشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير كي يشمل منطقة شمال إفريقيا في منظور إستراتيجي أميركي للمنطقة .
وإذا كان مشروع الشرق الأوسط الكبير قد غدا بـ «رسم العطالة»، هذا إذا لم يكن قد أصبح في عداد الأموات، وبالتالي لم يجد أية ترجمة على أرض الواقع ' فإن الولايات المتحدة حافظت في إستراتيجيتها على أولوية المسألة الأمنية . وهذا ما بدا بوضوح أثناء جولة رايس الأخيرة إلى بلدان المغرب.
ولم تخفِ رايس أنها قد جعلت من «الحرب ضد الإرهاب» أحد المواضيع الأساسية في نقاشاتها مع أصحاب القرار أثناء جولتها المغاربية. وكانت صريحة عندما قالت في الجزائر: ليس سرا على أحد أن الأمر يتعلّق بمشكلة ـ الإرهاب ـ بارزة جدا في بلدان المغرب. وأكّدت قولها: التعاون جيد، ولكن هناك دائما ما يمكن عمله أكثر من أجل تحسين تبادل المعلومات والاستفادة من جميع القنوات المناسبة لتقديم الدعم في مواجهة التهديد الإرهابي.
هنا قد يكون من المفيد والمهم «فتح قوسين». التأكيد على مكافحة الإرهاب «القاتل للأبرياء» أمر مشروع ومطلوب فما جلبه ويجلبه من عواقب سيئة أصبح جليا إلاّ للقلّة القليلة ممن «عماهم التزمت». لكن من الواجب الحذر أيضا من مقولة «الحرب ضد الإرهاب»، حسب النسخة «الأميركية» التي لم تؤدِ إلى القضاء على الإرهاب وإنما جعلت العالم في واقع الأمر أكثر اضطرابا وخطورة .
وعلى الجميع الاعتراف اليوم أنه إذا كان مقاتلو طالبان الأفغانية يمتلكون رؤية زمتزمتة وعتيقةس للمجتمع،كما أثبتت تجربتهم في السلطة، فإن الأفغانيين،بنسبة كبيرة منهم، يعتبرونهم اليوم «مقاومين وطنيين». وما يقال عن أفغانستان تكرر في العراق .صحيح أن الأوضاع مختلفة حيث لا يوجد تدخل خارجي،ولكن «الشراكة الأميركية» في «الحرب ضد الإرهاب» قد تكون آثارها السلبية أكبر من مردودها الإيجابي، وتحديدا بسبب «ما تُحيل إليه».
وفي نفس المنظور الأميركي «الأمني» تبدو مرافقة مسؤولين عسكريين أميركيين كبار للسيدة رايس في جولتها المغاربية مؤشرا على جدّية الرغبة الأميركية في الحصول على إمكانية تأمين تواجد عسكري أميركي دائم في شمال إفريقيا. ولكن ليس من السهل تلبية مثل هذا المطلب في الظروف الراهنة. التعاون؟ نعم. أمّا القواعد العسكرية فلا تزال تلقى معارضات كبيرة وعديدة ولا تحبذها أوروبا أبدا.
هناك إذن أسباب عديدة للزيارة التي قامت بها كوندوليزا رايس إلى بلدان المغرب العربي. أمّا لماذا الآن؟.
لعلّ السبب الرئيسي في توقيتها يعود إلى رغبة الإدارة الأميركية «المتأهبة للرحيل» في تحقيق بعض «الإنجازات الملموسة» بعد أن ابتعد أمل السلام الذي وعدت فيه قبل نهاية هذه السنة. وبانتظار الإدارة الأميركية القادمة.
كاتب سوري