بغير جدال تبدو صورة عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001 غير صورة العالم قبله، فلا شك أن صورة العالم اليوم في 11 سبتمبر عام 2008 قد تغيرت، وأن صورة أميركا قد تغيرت قبل أن تتغير صورة العالم..فهل تغير العالم من تلقاء نفسه ؟.. وهل أصبح أكثر أمنا وأقل إرهابا، وأكثر ديمقراطية وصيانة لحقوق الإنسان وسيادة الأوطان أم العكس ؟
ولا مبالغة في القول ان أميركا غيرت العالم قبل سبتمبر سواء بهزيمتها للنازية والفاشية في أوروبا في الأربعينات، لتصعد كإحدى القوتين العظميين بعد الحرب العالمية الثانية.. وبإسهامها في الخمسينات في زوال الاستعمار الإنجليزي والفرنسي القديم من آسيا وأفريقيا بمبادئ ويلسون بحق الشعوب في تقرير المصير..
ثم بقيت هي الأكثر تأثيرا على العالم حين ورثت نفوذ الاستعمار القديم في صورة قوة الاستعمار الجديد، وانفردت بالعالم بوزنها العسكري والاقتصادي والسياسي الكبير في العقدين الأخيرين اللذين أعقبا تفكك الاتحاد السوفييتي ومع بداية عصر وحيد القرن..
وحينما اتجهت إدارتها الجديدة برئاسة بوش وقيادة تشينى بسياسة إمبراطورية جديدة تعتمد الترهيب بالقوة العسكرية والترغيب بالقوة الاقتصادية لتحويل القرن الحادي والعشرين إلى «القرن الأميركي» حسب الاستراتيجية التي وضعها المحافظون الجدد للهيمنة على العالم..
فاجأتها في 11 سبتمبر الضربة المذهلة لرموز القوة والثروة الأميركية في بداية عهد بوش، لترد بسرعة وطيش في الاتجاه الخاطئ ضد العرب والمسلمين لاستعادة القوة والهيبة باسم الحرب على الإرهاب، لتقع في الخلط بالربط بين الإسلام والإرهاب، وتسقط في الورطة الأفغانية وتغرق في المستنقع العراقي..
ومع انهيار برجى الثروة الأميركية في نيويورك الأعلى بنيانا، وضرب مبنى البنتاجون رمز القوة في واشنطن الأعلى تحصينا بضربة إرهابية إجرامية في مشهد فاق أكثر المشاهد السينمائية الهوليوودية إثارة انهارت أسطورة الثروة الأميركية، وانكشفت أسطورة القوة الأميركية أمام ذاتها وأمام العالم !
فاهتزت أميركا ارتباكا وعنفا، واهتز العالم قلقا وخوفا مما يمكن أن يصيب العالم سواء بطول يد الإرهاب لأقوى قوة في الأرض، أو برد الفعل الانتقامي الأعمى لهذه القوة التي بدت كالأسد الجريح أو كالفيل الذي فقد صوابه !
لم يتفوق على هاتين الضربتين على مدينتي نيويورك وواشنطن التي ذهب ضحيتها أكثر من 3000 أميركي بغير ذنب إرهاباً وإجراما، سوى الغارتين النوويتين الأميركيتين على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين قبلها بنحو نصف قرن ذهب ضحيتهما 250000 ياباني بغير ذنب في أكبر جريمتين عالميتين غير مسبوقتين في التاريخ ضد الإنسانية كلها !
و مرت سبع سنوات عجاف على أميركا والعالم،وباسم الحرب على الإرهاب ارتكبت إدارة بوش أكبر الجرائم الإرهابية بالعدوان والغزو ضد الدول العربية والإسلامية، وباختراع ديمقراطية الدبابات والإساءة إلى الديمقراطية بتجاربها الدموية، وبانتهاك حقوق الإنسان في «جوانتانامو » و«أبو غريب» في أكبر شهادة زور على مبادئ حقوق الإنسان!!
وتغيرت صورة أميركا وتحولت من بلد الحرية إلى بلد لقمع الحرية حتى ضد المتظاهرين الأميركيين قبالة مؤتمر الحزب الجمهوري ضد الحروب الأميركية التي قادها الحزب الجمهوري، ولتزداد القوة الأميركية تآكلا، وتهبط الهيبة الأميركية تأثيرا.. ويتغير العالم فعلا فيصير أكثر إرهابا وأقل أمنا بفضل الفشل الأميركي في معالجة أسباب الإرهاب!!