تحديد الرئيس اللبناني يوم السادس عشر من الشهر الجاري، لبدء جلسات الحوار الوطني؛ بحدّ ذاته نقلة واعدة. أول ما يعنيه أن المعوقات التي فرضت تأخير انعقاد الطاولة قد تمّ التغلب عليها، أو تجاوزها. ثم هو يعني أن ثمة إجماعاً قد تحقق، بين الأطراف اللبنانية، للجلوس ووضع كل الملفات الخلافية على الطاولة. الأهم أن ذلك ينطوي، أو يفترض أن ينطوي، على استعداد لدى الجميع للبحث عن الأرضية المشتركة، بخصوصها.

بداية، من شأنها أن تعزّز أجواء الهدوء؛ وتعطي شحنة مديدة من التفاؤل، ولو مع حبس الأنفاس، لساحة أنهكتها أزمة خانقة ومكلفة. فمع انطلاقة الحوار، تنتقل الخلافات من الشارع إلى الغرف المغلقة. ويأخذ الناس فسحة لالتقاط الأنفاس. تتخفف الأجواء من ضغوط التوتر والاحتقان. وهذا ما حصل أثناء أشهر الحوار عام 2006. لكن الحوار آنذاك انقطع حبله، بحرب يوليو؛ من غير أن يستأنف. والباقي معروف.

الآن الظروف مختلفة والاحتمالات تبدو ملائمة أكثر. فهذه المرة تنطلق العملية، بعد انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وعودة منتظمة للمؤسسات وحصول تعيينات في المفاصل الرئيسية. كله حصل في إطار من التوافق الوطني.

ولا يقل أهمية أن دعوة الرئيس سليمان إلى الحوار، الأسبوع المقبل، تأتي غداة مصالحة طرابلس وما أشاعته من ارتياح ولاقته من ترحيب شامل. بل من تأييد ودعم لدى جميع القوى الفاعلة على الساحة اللبنانية. الأمر الذي يوفر من الزخم للجلسات ما لم يتوفر لسابقاتها. فهي تنعقد في جوّ من المصالحة السياسية، انطلقت طلائعها ـ على ما يبدو - من عاصمة شمال لبنان، قبل ثلاثة أيام.

ما تحقق هناك لم يكن بالأمر العادي؛ ولا السهل تحقيقه. كان، في ضوء ظروفه وتعقيداته، بمثابة انجاز. وبذلك بدأ وكأن رياح الحلحلة بدأت تهب على لبنان. يضفي على الجولات المرتقبة طابعاً خاصاً، انها ستنعقد هذه المرة في القصر الجمهوري وبرعاية الرئيس سليمان نفسه.

موضوع الحوار الوطني، في لبنان، لاقى من التأخير بقدر ما الحاجة إليه ماسة. هو حاجة بذاته، لكونه يسحب الفتيل من الشارع. يضبط منسوب التوتر. ويحول بالتالي دون وقوع الصدامات المتنقلة. في أقله يضع حدّاً للتدهور والانزلاقات الأمنية. والتجربة تؤكّد أنه بقدر ما كان الحوار يغيب، بقدر ما كانت الأزمة تتفاقم وتزيد تعقيداتها. كما هو حاجة للخروج من الحلقة المفرغة القاتلة، للمأزق الذي يعيشه لبنان منذ سنوات.

أو في أدنى الاحتمالات، للتوافق على صيغة للتعايش مع الخلافات وإدارة الصراع حولها؛ بالطرق السياسية والآليات الدستورية. الانسدادات التي عرفتها محطات الأزمة ومواجهاتها، برهان قاطع على أنه لا بديل عن لغة التخاطب. وهي حقيقة يعرفها اللبنانيون بالخبرة، ويقرّون بجدارتها. الآن جاءت لحظة ترجمة هذه القناعة.