من حق من تابع المؤتمر العام للحزب الجمهوري أن يشعر بالفزع. فالهتافات التي صدرت من القاعة والشعارات المرفوعة فيها فضلاً عن الكلمات التي ألقيت، كلها تكشف عن وجه لأميركا يريد الكثيرون ـ أميركيون وأجانب ـ أن يصدقوا أنه سيتوارى بخروج بوش من الحكم.
فالشعار الذي كان مرفوعاً على آلاف اللافتات في المؤتمر يقول «البلد أولاً» أي أميركا أولاً، وهو شعار عادة ما نقول لطلاب العلوم السياسية إنه شعار بالغ الخطورة استخدمه الفاشيون لتبرير جرائم وحروب وانتهاكات لحقوق البشر في الداخل والخارج.
أما الهتافات، فكان يهيمن عليها هتاف «يو إس إيه» أي الولايات المتحدة الأميركية، وهو الذي اتضح أنه بناء على توجيهات من قيادة الحزب كان ينطلق من القاعة كلما علا صوت المتظاهرين للتشويش عليهم. والشعار نفسه تنويعة أخرى على فكرة أميركا أولا. فقد كان من الممكن لقيادات الحزب أن يختاروا شعارا آخر يعبر عن ماكين مثلا أو عن جوهر حملته، لكنهم اختاروا هذا الشعار الذي يعكس فعلا المزاج العام للقاعدة الجماهيرية للحزب الجمهوري ويعبر عن روح الحزب.
فقد كان واضحا من المؤتمر العام أن الوضع لا يزال كما هو في عهد بوش، فلا تزال الهيمنة لليمين الديني والمحافظين الجدد، بينما تعاني القوى والتيارات الأكثر اعتدالا في الحزب من انحسار مقدراتها.
ولا أخفي على القارئ أنني شعرت وأنا أتابع المؤتمر العام وفعالياته، وكأني أشاهد مؤتمرا حزبيا تجري وقائعه في دولة صغيرة مذعورة لأنها محاصرة بالأعداء من كل جانب، وليس أمامها إلا الدفاع عن نفسها من أجل البقاء. فما سمعته وشاهدته لا يمكن أن تكون وقائعه هي وقائع المؤتمر العام لحزب الرئاسة في الدولة العظمى الوحيدة في العالم، صاحبة أقوى جيش وأعلى ميزانية عسكرية وكل تلك القواعد العسكرية في كل أركان المعمورة!
فالحضور الذين ملأوا القاعة، أي مندوبو الحزب القادمون من الولايات الخمسين، يعيشون أجواء حرب ويبدو أنهم يؤمنون إيمانا عميقا بأنهم محاصرون وبأنهم في حرب على أكثر من جبهة ومع أكثر من عدو.
أما المتحدثون، أي قيادات الحزب الذين ألقوا الخطب الرئيسية، فقد اتسقت كلماتهم تماما مع المزاج العام للقاعة، بل وزايدت عليه وأججته.
فالخطاب العام للمؤتمر كان في فحواه ومضمونه خطابا حربيا يمجد السجل العسكري لجون ماكين مرشح الحزب، ويثنى على نائبته التي يوشك ابنها على السفر كجندي إلى العراق.
وقد توارت الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها أميركا في خطاب المؤتمر العام، بل قال أحد قادة الحزب في كلمته صراحة إن حل المشكلة الاقتصادية الغرض منه توفير الإمكانات للوقوف في وجه الأعداء. بعبارة أخرى، فالحل الاقتصادي ليس مطلوباً لتحسين معيشة الأميركيين، وإنما لتوفير المزيد من الموارد للحروب اللانهائية!
غير أن الأهم من هذا وذاك، هو أن المؤتمر تخللته وصلات من التشهير بالعرب على أنغام التصفيق الحاد. فكم هي المرات التي ذكر فيها المتحدثون أن على أميركا أن تكف عن الاعتماد على بترول الشرق الأوسط الذي يأتي من دول «لا تحبنا»، وفي قول آخر «ذات نظم خطرة».
بل إن رودي جولياني، المرشح السابق للرئاسة وعمدة نيويورك الأسبق، سخر من الحزب الديمقراطي لأن مؤتمره العام لم يذكر «الإرهاب الإسلامي» ولو مرة واحدة!
وفي حدود معلوماتي المتواضعة فإن الدول التي قصدها هؤلاء كلها دول حليفة للولايات المتحدة، ولم تنقل أي من وكالات الأنباء حتى ساعته وتاريخه أي موقف رسمي صادر عن أميركا يقول غير ذلك. وأنا عندي في الواقع فضول شديد لأعرف من هو ذلك المنجم الذي دخل في علم الغيب ويعتمد عليه هؤلاء القادة الأفاضل في التأكد من أن هذه الدول «لا تحبهم»! وليدلونا على اسم ذلك الطبيب النفسي الذي كشف عن قلوب العرب ـ هكذا بالجملة ـ وعرف أنهم لا يحبون أميركا! ثم ما علاقة الحب والكراهية بالاستيراد والتصدير؟
بعبارة أخرى، القضية في الواقع هي خطاب تشهيري مقصود، لأنه يساعد على خلق فكرة العدو التي لا يمكن بدونها تحقيق أي فوز لحزب مهزوم يعاني رمزه الذي في البيت الأبيض من تدن مذهل في شعبيته، بسبب السياسات الكارثية التي انتهجها بمساعدة كاملة من رموز حزبه في الكونجرس.
من حق الأميركيين طبعا أن يقرروا الاعتماد على أنفسهم في الطاقة وفي غيرها، ولكن ليس من حقهم التشهير بالآخرين. غير أن ما يثير القلق فعلا في كل ذلك، لم يكن ما قاله هؤلاء المتعصبون، وإنما كان ذلك الصمت المدوي على الصعيد العربي الرسمي إزاء كل هذا!
فلو أن ما قيل في حق العرب في هذا المؤتمر بشكل مباشر أو غير مباشر قيل نصفه في حق أي جماعة أخرى، لأقامت الدنيا ولم تقعدها احتجاجا على أن يصدر مثل هذا الكلام عن حزب رئيسي في دولة «حليفة»، بل وعلى لسان المرشحة لمنصب نائب الرئيس التي قالت علنا إن بلادها تستورد البترول من «دول خطرة لا تعير بالا لمصالحنا». ألم يكن من الممكن ـ وهو أضعف الإيمان ـ أن نوجه على الأقل للجمهوريين عشية مؤتمرهم، أسئلة تطلب منهم أن يحددوا رسميا من هي يا ترى تلك الدول التي يقصدونها بالضبط؟
ولعلني أهمس في أذن القادة العرب الصامتين على تلك الإهانات، لأذكرهم بأن استطلاعات الرأي حتى هذه اللحظة تشير إلى انقسام الرأي العام الأميركي بالتساوي تقريباً بين أوباما وماكين. أي أن هناك احتمالاً بنسبة 50% لأن تنتقل حملة التشهير هذه من مجرد قاعة تشهد فعاليات حزب سياسي، إلى البيت الأبيض نفسه... مرة أخرى!
كاتبة مصرية
