الخطابة البلاغية المنبرية فارغة المضمون، هي القاسم المشترك بين مرشحي الانتخابات الرئاسية الأميركية ـ «الديمقراطي» باراك أوباما و«الجمهوري» جون ماكين بحيث يستحيل التفريق بينهما.
«التغيير» هي الكلمة، المحورية التي لا يكف كل من المرشحين عن تكرارها، لكن دون أن يعني أي منهما بتزويد الجمهور بشرح تفصيلي أو طرح أهداف محددة. يقول ماكين إن الولايات المتحدة وجهت خلال إدارة بوش ضربة قاسية إلى تنظيم «القاعدة»، لكن التنظيم لم يهزم، بل سيشن مزيداً من الهجمات على أميركا إذا سنحت له الفرصة. بكلمات أخرى فإن «الرئيس» ماكين سوف يتبنى مواصلة «الحرب على الإرهاب» على غرار ما فعلت إدارة بوش.
ولو كان لدعوة ماكين أي مضمون إيجابي تحت عنوان «التغيير» لعمد إلى إلغاء نهج عسكرة السياسة الخارجية الذي كان طابعاً مميزاً لإدارة بوش. على مدى ثمانية أعوام متصلة ظل جورج بوش أقرب إلى جنرال منه إلى رئيس مدني، ما أدى إلى تورط الولايات المتحدة في حربين طويلتي الأمد ـ أفغانستان والعراق ـ كلفتا الخزينة الأميركية خسائر مالية تُحسب بترليونات الدولارات.
ومع ذلك لا تزال الولايات المتحدة متورطة في هاتين البؤرتين، من دون أن تلوح بوادر انتصار نهائي على الأفق. الاقتصاد الوطني الأميركي يعاني حالة ركود خطيرة بسبب الإنفاق الأسطوري على الحروب، ما أدى إلى ارتفاع معدل البطالة وهبوط القيمة الحقيقية للدولار. وهكذا أصبحت الولايات المتحدة دولة مدنية.
مع ذلك ليس لدى ماكين أو أوباما برنامج جاد ومفصل لتمكين الاقتصاد من استرداد عافيته. غاية ما في نادى به كل منهما هو إجراء تخفيضات في الضرائب، ولكن من دون أن يحدد أي منهما الشرائح الطبقية التي سوف تحظى بالتخفيض، ما يعني أن كلاً منهما يضمر في نفسه تبني سياسة بوش الضرائبية التي بموجبها كانت شريحة الأثرياء المستفيد الأوحد من التخفيضات.
ومن المفارقات أنه بينما يدعو المرشحان إلى خفض إنفاق الدولة، فإنهما في الوقت نفسه لا يريان ضرورة لوقف الحروب الخارجية، علماً بأن هذه الحروب هي العامل الأساسي في تصاعد عجز الميزانية العامة للحكومة الاتحادية، إلى مستوى غير مسبوق في التاريخ الاقتصادي الأميركي.
وبطبيعة الحال فإن دعوة المرشحين إلى التغيير لن تشمل الولاء الأميركي الثابت لإسرائيل.. ولا حتى من ناحية الشكل. هنا يجتهد كل منهما للتفوق على الآخر.