مع أداء الرئيس المنتخب، آصف زرداري، أمس اليمين الدستورية ومباشرته لمهامه ؛ تكون باكستان قد فتحت فصلاً جديداً، وربما مختلفاً، في حياتها السياسية. بل في تاريخها الرئاسي الحديث والمثير بتقلباته واهتزازته. المسار الذي أوصله إلى نادي الرؤساء، ليكون الرئيس الثاني عشر لبلاده، تميّز عن سوابقه. جاء وليد آلية دستورية أخذت مجراها، من البداية إلى النهاية؛ على الرغم من الأزمة السياسية التي كانت تعصف بالبلاد.

الأمر الذي يحمل في ثناياه عوامل تحصين كفيلة، إذا ما بقيت تنمو وتتطور، بإخراج باكستان من دوامة الأزمات ومواسمها الدورية المتعاقبة، منذ الاستقلال؛ في أواخر الأربعينات من القرن الماضي. فطوال هذه الحقبة، ظلّت الحياة السياسية مضطربة ومتقلبة؛ ولو أنها شهدت وصلات من الاستمرارية، ذات اللون الواحد. حكم العسكر، الذي تعدّت حقباته فترات الحكم المدني؛ لعب دور اللاجم لتطور العملية السياسية.

أسباب واعتبارات كثيرة، أمنية واجتماعية وغيرها، جعلت من الجيش، المؤسسة الأكثر تماسكاً وقدرة على الإمساك بالقرار السياسي ومواقعه.

حداثة التجربة السياسية وافتقارها إلى عوامل النضج ومناخاته ساهمت، هي الأخرى، في خلق هذا الواقع؛ كما في مراوحة عملية بناء المؤسسات وتجذيرها؛ وبالتالي تمكينها، بحيث تقوى على ترسيخ وتنظيم تداول السلطة وانتقالها السلمي؛ وفق الدستور وتقاليد الحكم المدني. النتيجة كانت فترات متقطعة وقصيرة من حكم المؤسسات السياسية، تخللتها شطحات طويلة من حكم العسكر.

آخرها انتهى مع الجنرال برويز مشرف، الذي غادر منصب الرئاسة، بعد تسع سنوات من إحكام قبضته على السلطة. سنوات، خاصة في الشق الأخير منها، شهدت ولأسباب متداخلة خارجية وداخلية؛ تنامياً في درجة العنف والمواجهات والاغتيالات، فضلاً عن محاولاتها؛ أدت كلها، إلى احتدام الصراع السياسي وبلوغه نقطة الانسداد. التحوّل الايجابي الذي حصل، تمثل بعودة الاحتكام إلى الآليات الدستورية.

تنحّى مشرف عن الرئاسة. لا فرق سواء جرى ذلك بصفقة وضمانات، أم بغيرها. المهم أنه أفسح المجال لعملية الانتقال بأن تأخذ مجراها. تهيّب المعاندة وأكلافها. تلا ذلك انتخاب وفق الدستور، وفاز زرداري، بالأغلبية . في الحقيقة، الفائز الأكبر كانت العملية السياسية، وما بدا أنه رجوع إلى كنفها.

على الأقل حتى اللحظة، هكذا يبدو المشهد؛ بالرغم مما قد يكون فيه من مطبات. وبالرغم من شبح السوابق والتجارب السابقة، الذي يخيم وفق البلاد. فسلاسة التغيير الذي حصل، يبشر بفتح صفحة نوعية جديدة. لكنه بقدر ما يوحي بذلك، فإنه يرتّب مسؤولية تاريخية على جميع القوى الباكستانية؛ لحماية هذا الانجاز وترسيخه. من حق باكستان أن تنعم، بعد مسيرتها المضطربة الطويلة، ولوج باب الاستقرار والأمن.