ليس من المبالغة في شيء القول بأن المنطقة العربية تموج الآن بتحركات وتطورات ومحاولات تأثير من جانب مختلف القوى الدولية بالنسبة للعديد من قضاياها.
وفي هذا الجو المحموم فإنه لم يكن مصادفة أبدا أن ينعقد المجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في جدة وأن يتم التوقيع على مذكرة تفاهم استراتيجية بين المجلس وتركيا الأسبوع الماضي، وأن تنعقد القمة الرباعية التي استضافتها العاصمة السورية قبل أيام، وأن تتأجل الجولة الخامسة من المفاوضات السورية الاسرائيلية غير المباشرة التي كان مقررا لها امس الأول في العاصمة التركية لعدة أيام.
وأن تقوم وزيرة الخارجية الاميركية كونداليزا رايس بجولتها الحالية في دول المغرب العربي والتي تضمنت زيارة تاريخية بكل المعاني للجماهيرية الليبية الشقيقة، وهي الزيارة التي تفتح الباب واسعا أمام مرحلة مختلفة تتسم بالحيوية والإيجابية بين الجماهيرية الليبية وبين الولايات المتحدة، وهو ما ينعكس بالضرورة على التطورات والأوضاع في المنطقة العربية وافريقيا كذلك.
ومع الوضع في الاعتبار أن تلك التحركات والاتصالات المشار اليها وغيرها تتناول بالضرورة الأوضاع في المنطقة العربية وما يمكن ان تؤول إليه التطورات فيها، فإن اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية العرب أمس يكتسب بالضرورة، وفي ضوء ذلك كله الكثير من الأهمية.
ليس فقط لأن مواقف كل الأطراف ورغباتها وأولوياتها معروفة على نحو واضح للعرب، ولكن أيضا لأن الدول العربية باتت في مفترق طرق حاسم بالنسبة للكثير من قضاياها، فأما ان تلتقي على مواقف واضحة ومحددة وتتسم بقدر من القوة والتماسك بشأن المصالح العربية، خاصة فيما يتصل بالأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وكذلك بالنسبة للتطورات في الصومال والسودان والعراق وفيما يتصل بالقمة الاقتصادية المزمع عقدها في الكويت في يناير القادم، وأما أن تواجه المنطقة مرحلة شديدة الخطر وعلى نحو قد يصل فيه الأمر إلى تهديد بعض مفاصل المنطقة أو تفكيكها على نحو أو آخر وهو ما ستدفع ثمنه شعوب المنطقة في النهاية من حاضرها ومستقبلها.
وأمام هذه المخاطر الواضحة حينا والمستترة أحيانا يقع على عاتق وزراء الخارجية العرب مسؤولية كبيرة في العمل على نحو جاد ومخلص وبإرادة حقيقية من أجل بناء موقف عربي ولو بالحد الأدنى بالنسبة للقضايا العربية الرئيسية.
ومن المؤكد أن المطلوب ليس تسجيل مواقف، ولا إعلان مطالب بالنسبة لهذه القضية او تلك، ولكن المطلوب هو عمل حقيقي، مكثف ومتواصل، تشارك فيه الدول العربية جميعها من أجل الانتقال العملي بالأوضاع العربية من حالتها الراهنة الممزقة والمفتتة في فلسطين والصومال وغيرها، إلى وضع جديد أكثر تماسكا والتقاء حول الموقف العربي الذي يتم بناؤه وتحديده.
ومع ادراك ان تحقيق ذلك لا يمكن أن يتحقق خلال اجتماعات وزراء الخارجية العرب، القصيرة بوقتها والمشحونة بجدول أعمالها، الا ان اجتماعات وزراء الخارجية العرب يمكن أن تعد الساحة وأن تهيئ المناخ وان تضع أسسا تلتقي عليها الإرادات العربية بشكل جاد.
وإذا كانت السنوات الماضية قد أظهرت بوضوح الخسائر التي يسببها التفكك والتناحر بين الأشقاء، فليس من الصعب ان يلتقي الأشقاء على ما يحقق المصلحة العربية الجماعية. وتظل الإرادة على المستويين الفردي والجماعي هي المفتاح الضروري على هذا الطريق الذي بات ضروريا أكثر من أي وقت مضى.
