الحاجة إلى آلية عربية لحفز توجهات المصالحة بين الدول العربية بدت اكثر إلحاحاً عن السابق، وحتى الآن لم تتضح معالم هذه الآلية وكأنما الامر منوط بتدخل دولة كبرى كوسيط لنجاح مثل هذه الوساطات، والحقيقة أن الدول العربية تبدو حذرة اشد الحذر في اقتحام مواطن الاستعصاء التي تكتنف طبيعة تلك العلاقات. ذلك على الرغم من أن الظروف اليوم مؤاتية اكثر مما مضى بعد ان خفت بعض الضغوط الأجنبية التي اصرت لفترة طويلة ان تسير الامور في العلاقات العربية العربية وفق مصالح دول من خارج المنطقة.

ويمكن القول أن القمة الرباعية التي التأمت في دمشق مؤخرا وضمت سوريا وتركيا وقطر وفرنسا قد افصحت عن انفراجة واضحة في الاستعصاءات السابقة خاصة في العلاقات بين سوريا ولبنان، وتبع ذلك انباء عن انفراجة واضحة في العلاقات بين سوريا من جهة وبين مصر والسعودية من جهة أخرى، وصارت الحاجة الى آلية المصالحة واضحة بعد اتضاح اسباب الاستعصاء في التوفيق بين الفصائل الفلسطينية لاسباب يرجعها البعض إلى المواقف المتعارضة للدول (العربية) المساندة لمختلف الفصائل الفلسطينية.

وحدد وزير خارجية المملكة العربية السعودية الأمير سعود الفيصل امس خلال اجتماع الدورة العادية نصف السنوية لمجلس وزراء الخارجية العرب في القاهرة معالم الأزمة بقوله أن المصالح الخاصة والتداخلات الاقليمية والدولية هي المغذية للانقسام الفلسطيني والمشجعة عليه، وحين يمكن تحديد اسباب الأزمة فان وضع الحل يكون ممكنا ومتيسرا.

اذاً آلية المصالحة العربية يجب أن تسبق محاولات المصالحة بين الفصائل المختلفة داخل الدول العربية التي تعاني من مثل هذه المشكلات مثل العراق ولبنان وفلسطين والسودان والصومال.

وليس من المعقول أن تتحول المشكلة من مفاوضات لجلاء الاحتلال في دول محتلة مثل العراق وفلسطين إلى مفاوضات لحل خلافات بين فصائل متصارعة في الداخل. كما أنه ليس من المعقول ان تداوم جماعات معنية في اتهام دول عربية بالمسؤولية عن مشكلات تلك الجماعات الداخلية كما هو الحال في العلاقات بين لبنان وسوريا.

كذلك اوشكت الاطماع الأجنبية في ثروات السودان إلى تعميق المشكلات الداخلية بين الأطراف المتنازعة في المناطق المتوترة او بينها مجتمعة وبين الحكومة المركزية في الخرطوم وقد وصل الامر إلى حد التهديد العميق لتماسك الدولة السودانية بقرار المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو اوكامبو بإصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير بالمخالفة للمواثيق الدولية في هذا الشأن، مما يعني أن هناك اصابع اجنبية تحرك خيوط الأزمات والمشكلات العربية العربية في اتجاهات لا تخدم مفهوم الوحدة العربية الشاملة بل وتصرف الجهود عن السعي لتحقيق التكامل في المشروع النهضوي العربي المأمول من المحيط إلى الخليج.

لقد اثبتت جدلية الأحداث العالمية ان القوة لا تستمد من الخارج بل من الداخل وقوة القرار السياسي العربي يجب يكون الهدف بتصفية الأجواء العربية من كل ما يكدرها وهو ما نأمل ان يتوصل اليه اجتماع الوزراء العرب.