تنفس العالم الغربي الصعداء مع انهيار الاتحاد السوفيتي السابق في بداية العقد الأخير من القرن العشرين. قبلها كان هنالك عملاقان «شريران»، أحدهما شيوعي اشتراكي والآخر إمبريالي رأسمالي، يتربصان المواقع بعضهما البعض، ويطمح كل منهما للسيطرة على العالم بكافة الوسائل المتاحة.

إبان الحرب الباردة بين القطبين السوفيتي والأميركي تشكلت عدة عوامل عدم استقرار رئيسية عبر العالم. هنالك جملة نقاط مواجهة ساخنة في مناطق الهند الصينية والشرق الأوسط والكاريبي ووسط أوروبا، منها كان من الممكن أن تندلع حروب عالمية مفتوحة. أعد القطبان نفسيهما ومن سار في فلكهما، سياسياً وإعلامياً ونفسياً ومعنوياً وعقائدياً وتقنياً، لإفناء البشرية جمعاء بمعيتهما.

ازداد الواقع الدولي سوءاً عن نظيره إبان الحرب الباردة حين اتخذت الولايات المتحدة ذات المصروفات الهائلة في مجال التسليح، ومن خلفها دول حلف الناتو، سياسةً توسعيةً هجوميةً عدوانيةً على كافة جبهات الحرب الباردة التقليدية ونقاطها الساخنة.

في الشرق الأوسط، الكبير هذه المرة، زاد الصراع العربي ـ الإسرائيلي تعقيداً وتفاقماً. السبب هو تكثيف سياسة المعايير المزدوجة المشينة التي تتبعها الإدارة الأميركية في التعاطي مع الملف الفلسطيني، جوهر الصراع في المنطقة. بالذات تفاقمت الأمور عندما تبنت الإدارة الأميركية علناً وبشكل صارم سياسة وطموحات إسرائيل السياسية والعقائدية؛ محاباة عقائدية وسياسية بما يتبع ذلك من حفاظ على تفوق ساحق في ميزان القوى العسكري لصالح إسرائيل. في المقابل تقوم الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها بنزع أسلحة خصوم إسرائيل وتفرض حصاراً اقتصادياً محكماً خانقاً ضد الكتل البشرية الضخمة المناهضة لإسرائيل.

كل الاتفاقيات التي وُقّعت بين الفلسطينيين وإسرائيل حصلت في ظروف غير قانونية، أقرب إلى الابتزاز منها إلى الرضى بما يوقَّعُ عليه. ذلك ما يكبت أنفاس كتل بشرية ضخمة ويجعل المنطقة تجثم فوق قنابل موقوتة تنفجر مستقبلاً حسب الظروف والإمكانيات.

دول مناطق بحر البلطيق ووسط أوروبا وآسيا الوسطى، انتقلت بفعل التحفيز الاقتصادي والسياسي والعسكري الأميركي، من طور السكون إلى طور الهجوم على القيادة الروسية في موسكو. بالرغم من تحوّل روسيا إلى نظام ديمقراطي وانتهاج مسار اقتصادي يصب في خانة التحول إلى الرأسمالية والسوق الحر، لكن ذلك لم يخفف كثيراً من غلواء حالة التحدي التي أوجدتها أجواء الحرب الباردة سابقاً.

بغياب قوة ردع «حلف وارسو» يشعر الغرب أنه في الموقع الأقوى، وما على الطرف الآخر إلا الرضوخ لشروط وإملاءات الطرف القوي المنتصر. في هذا السياق تمثل القضية الجورجية نموذجاً جديداً لنقاط الالتقاء الساخنة بين روسيا والغرب؛ القضايا البولندية واليوغسلافية والتشيكوسلوفاكية والأوكرانية والطاجيكية، وغيرها أمثلة أخرى.

لم تزل الطريقة الأميركية التقليدية في التقدم والزحف على أجزاء من العالم تتمثل بإقامة نظام سياسي يعمل كمخلب قط، وفي الوقت نفسه «مسمار جحا»، تقدمه كأنموذج ديمقراطي وراع لحقوق الإنسان! من هناك يُستخدم ذلك النظام للعب دور عامل عدم استقرار في المنطقة. في ذلك، وعلى سبيل المثال، يحتل النظام الجورجي موقعاً استراتيجياً مهما في منطقة بحر البلطيق.

وفي تحد سافر لأمن روسيا الإقليمي والدولي يطالب الرئيس ساكاشفيلي بقبول عضوية جورجيا في منظومة حلف شمال الأطلسي، الوحيدة عالمياً ذات الذراع العسكري الضارب. يتبع ذلك إقامة قواعد عسكرية تطل منها جيوش الدول الأطلسية بسهولة ويسر على العاصمة موسكو وضواحيها والعمق الروسي.

يأتي ذلك بالتزامن مع تأمين أنظمة سياسية مجاورة لحدود روسيا تعمل يداً بيد مع الإدارة الأميركية، مثل بولندا وأوكرانيا ولاتفيا. السيد ساكاشفيلي، وبالرغم من صغر سنه وحجم بلاده الديمغرافي، إلا أنه قادر على لعب دور القشة التي تقصم ظهر البعير في المواجهة الروسية ـ الأطلسية المستعرة في المنطقة وربما العالم.

دولياً ومنذ انتهاء الحرب الباردة، أقدمت الإدارة الأميركية على اختلاق عدد لا حصر له من القضايا والنقاط الساخنة الإضافية التي تخلخل الأمن والسلم الدوليين. المبرر الإعلامي العالمي المحموم هو محاربة الإرهاب، الذي تعتبره، حقيقة، إسلامياً بشكل حصري.

استغلالاً لذراعها العسكري القوي وحالة غياب طرف رادع، غزت الولايات المتحدة عدة دول ضعيفة بعد إخضاعها لحصار محكم! باتت السياسة الأميركية المحمومة الآن في مواجهة مع كافة الشعوب المستهدفة وثقافاتها الإسلامية، والتي تشمل ربع عدد سكان المعمورة تقريباً.

تستمر الإدارة الأميركية في نزواتها وتعنتها، على الرغم من الخسارة الناجمة لها وللشعوب والاقتصاد والسلام العالميين. مصادر الطاقة العالمية باتت تحت السيطرة والتهديد الأميركي وذلك ما يجعل العالم يقع عاجلاً، وليس آجلاً، تحت رحمة الشركات الاحتكارية الأميركية العملاقة بشكل كلي مطبق.

بالتجربة المريرة ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الولايات المتحدة، بجبروتها الاقتصادي والثقافي والإعلامي والتقني والعسكري، لا يمكن أن تقود العالم نحو بر الأمان والسلام الاقتصادي والسياسي والأمني. لا غرابة في ذلك فالعقلية التي تتمتع بها الإدارات الأميركية المتعاقبة، محلية ضيقة وجاهلة متجاهلة لشؤون الغير، وتمتاز بتحيزها الأعمى لصالح قضايا تظن انها تصب في مصلحتها على المدى القريب والبعيد.

في ظل هكذا معطيات يواجه العالم حالة عدم استقرار غير مسبوقة، لا في الحرب الباردة ولا قبلها ولا بعدها مباشرة. بات على العالم أن ينتقل من حالة التشتت والتفرّق والفوضى والتبعية والتخلف، ويخطو إلى الأمام خطوات بهدف الحد من تفرّد الإدارة الأميركية بمصيره.

الخيارات الدولية المطروحة متعددة، ويتمثل أحدها بفكرة تقوية المنظمات الإقليمية والدولية لكبح جماح الغطرسة والتفرّد الأميركي القائم على الاستعلاء والمركزية السياسية والاقتصادية والأمنية العسكرية.

منظمات مجموعة شنغهاي والمؤتمر الإسلامي والجامعة العربية والشراكة المتوسطية! والفرانكوفونية وكومنولث الدول المستقلة والآسيان والاتحاد الإفريقي ومجموعة الكاريبي وأميركا اللاتينية، قادرة على أخذ دور ريادي في اتجاه وقف مشروع «المركزة» الأميركي، يريح الكتل البشرية من هيمنة هي حقيقة في غنى عنها.

nesro@yahoo.com