يصر البعض على التقليل من أهمية الأداء الدبلوماسي العربي في مواجهة تحديات المرحلة والدفاع عن مصالح الوطن، باعتبار أن التمثيل الدبلوماسي في الخارج ليس سوى استكمال لحالة الشلل المؤسساتية القائمة في هذا البلد أو ذاك.

وانطلاقا من هذا التفكير الناقص، يرى هؤلاء أنه لا حاجة لبذل أي جهد في سبيل تحقيق الأهداف الكبيرة التي رسمتها قيادة الوطن، فهي منشغلة أصلا في تنفيذ أهداف برنامجها على الصعيد الوطني المحلي، ولا وقت لديها لمراقبة الأداء أو محاسبة التقصير.

ولستُ هنا بصدد توجيه الاتهامات لأي طرف بالتقصير في تطبيق مبدأ المحاسبة الأمينة على موظفيه، فلكل بلد خصوصياته وطريقة عمله، وكذلك إيجابياته أو شوائبه الكثيرة.

هكذا تعلّمنا من التجارب الكثيرة التي نلمسها بين وقت وآخر في ساحة العمل الدبلوماسي العربي، والتي تؤكد لنا في كل لحظة أن بعض ممثلينا في الخارج يُبدعون في كيفية إبراز القضايا الوطنية والقومية الكبيرة، ناهيك عن المساهمة في إطلاع الرأي العام الأجنبي على حضارة البلد الذي يتشرّف بتمثيله، أو على تاريخ القومية التي ينتمي إليها في الإطار الأوسع.

كما أن بعض هؤلاء الدبلوماسيين تمكنوا من خلق مدرسة حقيقية لا يزال كثير من العرب وحتى الأجانب يحتذون بها، لأنهم كانوا يمارسون المهنة بكل إخلاص وتفانٍ، منطلقين من حرصهم الوطني والقومي، لكن أيضا من إدراكهم التام لجدية المخاطر التي تواجه أمّتنا العربية على أكثر من صعيد.

لكن مقابل هذا الوجه المشرق، تكثر للأسف التجارب السيئة لبعض الدبلوماسيين العرب بشتى أطيافهم، وخصوصا بين هؤلاء الذين شاءت ظروفهم أن ينضموا إلى السلك الدبلوماسي عن طريق الواسطة «الفوضوية»، أو لمجرد كونهم رقما راسخا في حالة التقاسمات القبلية أو الطائفية والمذهبية.

والمقصود بالواسطة الفوضوية هنا أنها تضغط لصالح توظيف أشخاص بعيدين كل البعد عن العمل الدبلوماسي، في حين تتراجع وبشكل خطير جميع المقاييس المرتبطة بالكفاءات والمقدّرات العلمية والوظيفية الأخرى، التي من المفترض أصلا أن تشكّل المعيار الأوحد لاختيار أي موظف تنتدبه هذه الدولة أو تلك إلى الخارج.

ولأن مفهوم الواسطة بأشكالها المختلفة مترسخ حتما في مختلف نواحي العمل المؤسساتي العربي بأكمله، فإنه ليس محصورا في بلد دون الآخر، لكن أشكال ظهوره تتفاوت بنسبة خطورتها على سمعة هذا البلد أو ذاك، انطلاقا من طبيعة أداء الدبلوماسي في البلد الذي انتُدب لتمثيل وطنه فيه.

ويبدو لي أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في طبيعة هؤلاء الأشخاص الممتلئين حتى النخاع بشوائب كثيرة ومتنوعة، بل بما يبديه من يفترض أن يكونوا في موقع المسؤولية، من إمعان في تجاهل أداء موظفيهم وغض النظر عن مشاكلهم الكثيرة التي باتت تشكل إحراجا ليس للدولة المعنية فقط، بل للعالم العربي بأسره.

أمام هذا الواقع الخطير تستحضرني بعض التجارب الدبلوماسية التي تسنّى لكثيرين فرصة الاطلاع عليها عن كثب. ففي لبنان المناضل دائما للبحث عن هويته، تبدو جليّة وقائع الصراع من أجل توظيف وفرض الأفراد بالقوة، والمعتمدة في جوهرها على ما ذكرناه سابقا حول التقاسم الطوائفي والمذهبي.

فالمرء يندهش ويأسف كثيرا خلال تعرّفه على بعض نماذج الدبلوماسيين رفيعي المستوى ممّن يمثلون طرفي الصراع المستعر حاليا في لبنان، فنرى سفيرة معتمدة في دولة عظمى تسرح وتمرح بأموال دولتها الغارقة في ديون ضخمة دون حسيب أو رقيب، وسفيرا من الطرف السياسي الآخر لم يجد بسبب رعونته وسوء معاملته للموظفين المحليين من يقود سيارته الرسمية ليتمكن من تقديم أوراق اعتماده لرئيس دولة أوروبية مهمة...

كلتا الحالتين تعكسان واقعا خطيرا في المشهد اللبناني، فالسفيران مفروضان فرضا على الشعب بسبب دقة التوازنات الطائفية، برغم وجود كثيرين ممّن هم أكفأ وأقدر منهما على تمثيل القضايا المصيرية التي يعاني منها الوطن.

هذا الأمر يعيه جيدا بالطبع جميع من عُيّنوا بهذه الطريقة في السلك الدبلوماسي العربي، فيضربون عرض الحائط بكافة الاحتجاجات التي تسجّل ضدهم.

ويتمادون في تحدّيهم لكل من يُبدي امتعاضا، ويُمعنون في إظهار انتمائهم القبلي أو المذهبي والطوائفي، لا للفخر بما يكتنزه هذا الانتماء من قيم ومبادئ يحترمها الجميع، بل كنوع من التهديد لمن قد تسول له نفسه الإشارة مرة أخرى إلى مكامن الخلل القائم.

في جميع الأحوال، فإن التقصير الدبلوماسي ليس محصورا في الأمثلة التي ضربتُها، بل يتعداها ليشمل دولا أخرى غطّت رائحة الفضائح المرتكبة من قبل دبلوماسييها الحجم الجغرافي للقارتين الأوروبية والأميركية معا. ويتم ذلك بالطبع لسبب واضح تماما، وهو أن الدبلوماسي المعني لا يتمتّع بالكفاءة المطلوبة، بل يبقى في طور المراهقة المهنية، ويُظهر صلافته وعناده بالاستناد على من يدعمه ويغطي شوائبه في وطنه.

وإذا استثنينا كل هذه الأمثلة التي ترتبط بالتصرفات الشخصية للدبلوماسيين واعتبرناها شأنا مكمّلا للهوية الوطنية، كلّ حسب تقاليده وأعرافه بالطبع، فإن ما يظهر أمامنا من تقصير ذو نوع آخر يبدو أكبر شأنا مما سبق، لأنه يمس العمل الدبلوماسي الأصلي في جذوره.

وللاختصار، أستذكر حديثا أجريته مع سفير عربي جليل أحترمه كثيرا، حول استعداداته مع مجلس السفراء العرب لتنظيم الفعاليات الثقافية والسياسية في دولة أوروبية صغيرة.

فقد اختصرت أجوبة السفير المذكور المعاناة المليئة بالمآسي على صعيد الأداء الدبلوماسي العربي، لأنها أكدت لي بوضوح غياب هذا الأداء كليا عن ساحة الدول الصغيرة التي يتمثّل فيها الدبلوماسيون «بهدف الراحة لا العمل» كما قال حرفيا.

الخطير في الأمر أن السفير بدا مقتنعا تماما بما ذكر.. لكنه أثار الطمأنينة في نفسي عندما أظهر تفهمّا مماثلا لاستغرابي وقلقي الشديدين.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz