المصالحة التي تتوالى فصولها بين الأطراف المتقاتلة في مدينة طرابلس، تطور نوعي واعد؛ ومرشح ليكون بداية انعطاف ايجابي جديد، ليس في شمال لبنان فقط؛ بل ربما أيضاً في عموم الساحة اللبنانية. الصورة التي تمت فيها هذه المصالحة، تعطيها ما يكفي من الزخم الذي يحصّنها. اللقاءات حصلت ولأول مرة، على مستوى القيادات التي لم يسبق لها أن التقت؛ في هذا الخصوص.

سرعة حصولها كانت أيضاً غير مألوفة. الدعم الذي نالته من جانب القوى الفاعلة في لبنان وعلى أعلى المستويات، كان كذلك غير مسبوق. كله يشير إلى أن الأزمة الأمنية التي عاشتها المدينة، منذ أشهر، باتت قاب قوسين من طيّ صفحتها. انتقال شبه مفاجئ، من حالة متفجرة كانت تنذر، ولأيام قليلة مضت، بالمزيد من التصعيد والتوسّع؛ إلى حالة هدوء وتقارب.

وقد تمّ إعداد ورقة، تحت عنوان «وثيقة طرابلس» وافقت كافة الأطراف المشاركة في لقاء المصالحة على محتواها والتوقيع عليها. صيغة إنقاذ، ساهمت ظروف وتوجهات في إنتاجها، كانت المدينة بأمسّ الحاجة إليها.

لكنها بكل حال تبقى صحوة، محسوبة لقيادات القوى المتصارعة؛ التي تلاقت عليها. الآن، التحدّي يكمن في تعميمها ونقل عدواها، إلى المستوى الوطني. الكرة اليوم في ملعب القيادات اللبنانية جميعها. مباركتها لمصالحة طرابلس ومسارعتها إلى تأييدها ودعمها، جديرة بالتنويه ومؤشر ايجابي مشجّع.

لكن ذلك لا يكفي، بل هو يرتّب عليها مسؤولية استنساخ ما حصل في طرابلس، لا سيما وأنها وقفت وراءه علانية وبقوة. لا يستقيم تشجيع المصالحة في جزء من لبنان لوأد الفتنة، وفي نفس الوقت عدم مجاراتها في بقية الأجزاء، أو على الأقل الإسراع في عقد طاولة الحوار الوطني، الذي طال انتظاره، كمدخل لمثل هذه المصالحة المطلوبة. كان من المنتظر أن ينطلق قطار هذا الحوار بعد تشكيل الحكومة.

مضت فترة على ذلك الموعد، من دون حوار ولا متحاورين. وتعليق هذا الاستحقاق، كان من بين نتائجه عودة أجواء التوتر والاحتقان؛ التي أدّت إلى وقوع حوادث واحتكاكات، ومنها ما شهدته طرابلس من جولات عنف كاد أن يضع المدينة على كفّ عفريت.

الآن، من هذه المدينة التي كانت مرشحة لإشعال حريق يهدّد مصيرها، بل البلد برمته؛ تنفخ رياح المصالحة. وكل الدلائل تقول إن ما يجري، هذه المرة، يختلف عن المحاولات السابقة. بدا أنه جاء حصيلة تقاطع معطيات وحسابات، تجعله يقف على أرضية صلبة توفر له الصمود.

اتساع دائرة المشاركة والترحيب، يشي بذلك. إذا سارت الأمور إلى النهاية في هذا الاتجاه، كما هو مرسوم ومرغوب، والأمل أن تسير؛ عندئذ لن يبقى أي عذر، لا لتأخير المباشرة بالحوار الوطني الموعود؛ ولا لتكليل هذا الحوار بمصالحة؛ تكون صورة مكبّرة لما حصل في طرابلس.. وخير البرّ عاجله.