إن أول خطوة لحل أي مشكلة هي الاعتراف بوجودها، فأي حركة نقوم بها دون الاعتراف بوجود المشكلة إنما هي خطوة في الفراغ لن تقودنا إلى شيء إطلاقا.

وقد ظلت مشكلة التركيبة السكانية في مجتمع الإمارات سنوات طويلة محل اختلاف بين محذر من خطورتها، ومقلل من شأنها، ومنكر لوجودها غير معترف بتبعاتها، رغم اللجان الكثيرة التي تشكلت لدراستها واقتراح الحلول المناسبة لها، حتى كان لقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في شهر إبريل الماضي باللجنة الوطنية للتركيبة السكانية التي يرأسها الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية.

وأمْرِ سموه بسرعة إنشاء هيئة وطنية دائمة لمتابعة ملف التركيبة السكانية في الدولة، وإعطاء سموه الضوء الأخضر لاتخاذ الخطوات العملية في هذا الاتجاه، والتي تتضمن تنفيذ 66 مبادرة تهدف إلى تحسين التركيبة السكانية في قطاعات مختارة من قبل اللجنة.

كانت هذه الخطوة ضرورية ومهمة لأنها انتقلت بنا من مرحلة التشخيص- التي يعتقد البعض أنها استغرقت وقتا أكثر من اللازم - إلى مرحلة العلاج التي ربما تستغرق وقتا أطول، لكنها ستقود دون شك إلى نتائج - مهما اختلفنا حول درجتها - فهي أفضل من فترة الغيبوبة أو الموت السريري التي مرت بها هذه المشكلة على مدى السنوات الماضية، حتى تفاقمت إلى الدرجة التي دعت صاحب السمو نائب رئيس الدولة إلى القول (إن مستقبلنا وهويتنا الوطنية مرتبطان ارتباطا جذريا ومصيريا مع هذه القضية التي لا بد أن تتضافر كل الجهود، والعمل كفريق واحد، وتحديد الرؤية من أجل إيجاد آليات عملية يمكن من خلالها التوصل إلى تصور مقبول وواضح لهذه المسألة التي تحدد في النهاية مستقبل أجيالنا القادمة).

وانطلاقا من هذا التوجه اعتمد مجلس الوزراء الأسبوع الماضي خمس مبادرات خلصت إليها اللجنة الوطنية للتركيبة السكانية بعد إجراء العديد من الدراسات والمشاورات مع مختلف الجهات المعنية، وفق ما صرح به سمو وزير الداخلية رئيس اللجنة، مؤكدا أن هناك مساعي حكومية جادة لمعالجة خلل التركيبة السكانية بما يحقق التوازن المطلوب بين مسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها البلاد والثوابت الوطنية العامة التي تعزز من صالح الوطن وأبنائه، وتلبي حقنا المشروع في مستقبل آمن وواعد.

مبادرات الحكومة الخمس التي أُعلِن عنها الأسبوع الماضي تصب كلها في مجرى تقليل الاعتماد على العمالة الوافدة، خاصة في مجال البناء الذي يبلغ عدد العاملين فيه نحو مليون ونصف المليون عامل، من بينهم 200 ألف نجار مباني خرسانة، الأمر الذي يعني أن قطاع التطوير العقاري يتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية خلل التركيبة السكانية.

وهو ما حمل لجنة التركيبة على الدعوة إلى تشكيل لجنة فنية برئاسة ممثل للحكومة وعضوية ممثلين لشركات التطوير العقاري الكبرى، وذلك لإيجاد أنظمة بديلة لبناء المباني التقليدية، والاستعاضة عنها بأخرى تساعد على تقليل الأيدي العاملة المستخدمة في هذا القطاع.

هذه الالتفاتة من قبل اللجنة الوطنية للتركيبة السكانية إلى قطاع العقار تدعونا إلى وقفة مهمة نستجلي فيها واقع هذا القطاع ومن يستثمر فيه، ومن يسيطر عليه، ومن يستفيد منه، ومن يتملك فيه، ومن يسكن ناطحات السحاب والمدن التي يقيمها...

وأسئلة كثيرة تطرح نفسها، حتى نصل إلى الآثار المترتبة على التوسع في الاستثمار في هذا القطاع إذا أردنا تحقيق أهداف لجنة التركيبة السكانية المتمثلة في (تعديل النسب السكانية الحالية، مع مراعاة ما يمكن تحقيقه ومتطلبات العملية التنموية في الدولة) وفق ما جاء على لسان الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية نائب رئيس لجنة التركيبة السكانية الذي أكد أن هذه المبادرات (ترسل رسالة بأن الحكومة عاقدة العزم على التعامل الجدي مع مسألة التركيبة السكانية، وذلك من خلال تواتر سير هذه المبادرات وأثرها الإيجابي).

لا شك أننا نقدر دور الحكومة ومساعيها لحل مشكلة التركيبة السكانية، ولا يمكن لأحد أن يقلل من شأن المبادرات التي أطلقتها وستطلقها في المرحلة المقبلة لتضعنا على أول طريق الحل الذي لا نتوقع أن يأتي بين يوم وليلة لأننا نتفق مع نائب رئيس اللجنة على أن (التركيبة السكانية الحالية مسألة تراكمية تكونت عبر عقود من مسيرة التنمية بالدولة) .

وندرك جيدا أن هناك أدوارا علينا أن نقوم بها نحن كشعب إذا أردنا أن نتدارك هذه المشكلة الخطيرة وآثارها المدمرة التي تهدد حاضرنا وتتربص بمستقبل أبنائنا، كي نقطع الطريق على أولئك الذين يرسمون لأنفسهم أدوارا يحاولون من خلالها احتلال أماكننا والادعاء بأنهم يقومون باستكمال بنيتنا الوطنية، ويفرضون أنفسهم كقوة عاملة ووحيدة على هذه الأرض لا يمكننا الاستغناء عنها أبدا.

أول هذه الأدوار هو دعم مبادرات الحكومة، والتعامل معها بالجدية التي تستحقها عبر تغيير أنماطنا الحياتية وإعادة تشكيلها بما يتناسب مع تحقيق هذه الأهداف للوصول إلى النتائج التي نتوخاها من الحلول المطروحة، فالاعتراض الذي قوبلت به فكرة الخدمة الذاتية في محطات الوقود - على سبيل المثال - لا محل له حتى لو كان عدد العاملين الذين سيتم الاستغناء عنهم في هذا القطاع بسيطا.

كما يرى البعض، لأن الهدف من هذه المبادرة هو تعزيز الاعتماد على الذات والاستغناء عن بعض المهن الهامشية، بل إننا مطالبون بما هو أكثر من هذا، خاصة في بيوتنا التي يفوق عدد الخدم والعاملين في بعضها عدد أفراد الأسرة نفسها، إذ ليس من المنطقي أن نطلب من الحكومة أن تحل لنا مشكلة بحجم مشكلة التركيبة السكانية دون أن نقوم نحن بتقديم بعض الحلول البسيطة داخل أسوار منازلنا.

إن طرح المبادرات لتدارك الخلل في التركيبة السكانية في رأينا لم يعد مهمة الحكومة وحدها، بل هو مهمة كل أفراد المجتمع الذين يجب أن يهيئوا أنفسهم لبعض الحلول التي ربما تبدو صعبة، ويوطنوها على أسلوب حياة مختلف يتناسب مع طبيعة المرحلة التي نحن مقبلون عليها، هذا إذا أردنا أن نحافظ على منجزاتنا ومستقبل أجيالنا القادمة، ونخرج من الواقع الذي نعيشه بأقل قدر من الخسائر، وإلا فإننا نكون قد ضيعنا فرصة ذهبية سوف نندم عليها كثيرا.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com