بعد شهر على انفجار الوضع بين روسيا وجورجيا، يعود التراشق بين واشنطن وموسكو؛ ليصب المزيد من الزيت على نار هذا الملف.

وهذه المرة، بدرجة أعنف من السابق، وكأن الاجتياح الروسي وقع للتّو. أو كأن خطورة الموضوع ومرور هذه المدة عليه، لم يكونا كافيين لمباشرة البحث عن المخارج والصيغ اللازمة لتفكيك تعقيداته وتطويق تداعياته المحتملة، أو على الأقل للبدء في ترطيب الأجواء وتنفيس التوتر. نائب الرئيس تشيني شنّ هجوماً عنيفاً على موسكو، خلال جولته في الجوار الروسي.

تصريحاته النارية أشعلت الموضوع من جديد. مفرداتها تعود إلى زمن الحرب الباردة. زاد من وقعها، تجديد تعهده بالعمل على تسريع ضمّ جورجيا إلى حلف «الناتو». كما أنها ترافقت مع وصول ثلاث بوارج حربية أميركية، تباعاً، إلى ميناء بوتي في جورجيا، قال الأميركيون إنها تحمل «مساعدات إنسانية»؛ فيما يظن الروس أنها تحمل أسلحة لجورجيا.

أخذت موسكو من هذا الخطاب ومن مجيء سفن حربية؛ مادة للرد بلغة نارية، هي الأخرى. الرئيس الروسي، ديمتري ميدفيديف، حذر من أن بلاده قد تلجأ إلى خياراتها العسكرية وبعزم جديد؛ مشدّداً على وجوب «أن يحسب لها الحساب»، بعد الثامن من أغسطس الماضي. خطاب لا يخلو من التحدّي، على الجانبين.

وكأن، كل طرف اكتشف أوراق الآخر، ويعمل على توظيف موقعه لتسجيل ما أمكن من النقاط. لكن اللهجة شطحت وتصاعدت. سخونتها تزداد، مع مرور الوقت، وليس العكس. والأخطر أن تداعياتها تهدّد بالتمدّد إلى الساحتين الأوروبية والدولية، وبالذات إلى ساحة الشرق الأوسط.

الإدارة الأميركية لها حساباتها. استراتيجيتها، في أوروبا والقوقاز، تتجاوز جورجيا. حسم موسكو العسكري السريع، لقضيتي أبخازيا وأوسيتيا؛ مع إعلان اعترافها باستقلالهما؛ شكّل رداً لا يخلو من التحدّي لهذه الاستراتيجية. خطاب تشيني المتشدّد جاء تعبيراً عن الغضب من هذا التحدّي. بدوره، كلام الرئيس الروسي، وقبله كلام الوزير لافروف، جاء تعبيراً عن الهواجس؛ وأيضاً أتى من العيار الوازن؛ في حدّته.

تراشق خرّب على محاولات التبريد والاحتواء التي قام بها الاتحاد الأوروبي، لكن الأوروبيين عازمون على استئناف عملية التطويق. اليوم يصل الرئيس الفرنسي إلى موسكو. وزير خارجيته، كوشنير، أكّد أمس على وجوب بقاء روسيا «شريكاً كدولة جارة».

منسّق الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، سولانا، طرح إرسال مراقبين بدل القوات الروسية. رحبت موسكو، شرط وضع آلية دولية لذلك. محاولات مختلفة، تشكل المدخل المناسب، لضبط الأزمة في حدودها. «لا مجال للعودة إلى الحرب الباردة»، كما يقول الفرنسيون وأوروبيون آخرون. بل لا ينبغي السماح لها بالعودة. مصلحة السلم والأمن الدوليين، وبخاصة في منطقتنا، تقتضي ذلك.