لا يجوز عقد مقارنة بين الباحثين عن الفوضى والعاملين من أجل الاستقرار، ففي ذلك ظلم وغبن وإجحاف، ولايستوي الذين يدمرون مع الذين يبنون.

اليوم غير الأمس، والعالم الذي قادته الإدارة الأميركية الجامحة والجانحة إلى الدمار والحروب، بات يتغير اليوم، وبدأت القوى التي تخلفت في زمن العواصف الأميركية بالعودة إلى المسرح الدولي لتستعيد دورها، وتعلن رفضها لمنطق القوة والهيمنة والقطبية الأحادية واعتماد منطق الحوار والمصالح المتبادلة. ‏

اليوم أفضل من الأمس، والمشاريع التسلطية إلى تراجع، ولا نقول إلى زوال كي لا نخدع أنفسنا وغيرنا معاً، فأصحاب الفوضى والحروب وسياسات الاستيعاب والإرهاب! هؤلاء لا يمكن أن يستسلموا، وسيسلمون رايتهم لمن سيأتي بعدهم وفي مشاريعهم «خطط للطوارئ» وفسحة من الانتظار، تمتد ربما لنصف قرن أو أكثر، وتوقعات لضربات موجعة ونكسات يتعرض لها مشروعهم أو مشاريعهم. ‏

لا شك في أن من يظن أن مشروع الشرق الأوسط الجديد قد مات إلى الأبد هو واهم وغير مطلع على خفايا هذا المشروع، ومن يحاول إقناعنا بذلك إما أن يكون جاهلاً وإما متجاهلاً!. ‏

ففي الوقت الذي تلملم إدارة بوش أوراقها وحوائجها لمغادرة مراكز القرار في واشنطن، يسطع نجم المرشح الجمهوري جون ماكين وكأنه الوريث الشرعي لإدارة بوش. ‏

وفي الوقت الذي كان فيه ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي، وأحد قادة المحافظين الجدد يحط في القوقاز بحماية البوارج ويطلق الاتهامات والتهديدات لروسيا، كان ماكين يقبل ترشيح الحزب الجمهوري لدخول السباق إلى البيت الأبيض، وأيضاً ليطلق اتهامات وتهديدات لكل من روسيا وإيران، وما بعدهما. ‏

ما نريد قوله: إن أحلام الهيمنة والتسلط لم تفارق مخيلة فريق طويل عريض من المحافظين الجدد الأميركيين الذين لم يتخلوا عن اللغة الفوقية والغرور وعن سياسة إلغاء الآخر ونسف جسور التواصل مع الدول والشعوب والأمم، واستبدالها بالصواريخ العابرة للقارات وبالأساطيل. ‏

مع ذلك نقول: اليوم أفضل من الأمس، فروسيا تعمل على استعادة دورها على الساحة الدولية بعد محاولات تطويعها وتحييدها بالوسائل المعتادة: تارة بالجزرة وأخرى بالعصا، وفي كل الأحوال عن طريق الخبث والمخططات المشبوهة وبتحريض دول وحكومات ضدها. ‏

وها هو الاتحاد الأوروبي يتخلى تدريجياً عن تحفظه وعن الدور الملحق بالدور الأميركي، ليجد أن مصالحه ليست في اتباع سياسة أميركية بأدوات أوروبية، وإنما في انتهاج سياسة أوروبية خالصة تأخذ في الاعتبار أولاً وعاشراً مصالح الشعوب الأوروبية. ‏

ولعل ما تابعه العالم في دمشق أمس الأول خير دليل على أن اليوم أفضل من الأمس، وأن الدول الكبرى باتت اليوم أكثر اقتناعاً بضرورة انتهاج سياسات تخدم المصالح الوطنية لها وتحقق تطلعات وطموحات شعوبها،من جهة، وأن هذه الدول تريد أن توظف وزنها ودورها المؤثر من أجل السلام والاستقرار في العالم وليس لإرضاء هذه الدولة أو تلك، ولعب دور شاهد الزور على مغامرات المغامرين التي حولت العالم إلى كرة من نار وبارود. ‏

الرئيس الفرنسي ساركوزي قال إنه في دمشق وإن واشنطن تعلم ذلك، وهي عبارة لها معناها، دون أن يتخلى عن صداقته للولايات المتحدة لكنه أراد أن يعلن ولادة سياسة فرنسية جديدة أكثر توازناً، فمن حق فرنسا الاختلاف مع الإدارة الأميركية حول العديد من القضايا من بينها العلاقات مع سورية ومن عملية السلام، ولا أحد يطلب غير ذلك، أي الانحياز إلى جانب المنطق والعقل والمصالح، وبالتالي إلى جانب السلام. ‏

ما شهدته دمشق كان مخاضاً لولادة عالم جديد، وشرق أوسط جديد غير الشرق الأوسط الذي «بشّرت» به وزيرة الخارجية الأميركية رايس عندما كانت الطائرات الإسرائيلية ـ الأميركية الصنع ـ تدك لبنان ومنشآته وتقتل أبناءه. ‏

لكن هذه الانطلاقة الجديدة يجب ألا تنسينا أن أصحاب المشاريع عابرة القارات لن يستكينوا وسيستمرون في المحاولات حتى لو كانت على حساب الشعوب وعلى جماجم وجثث الملايين من بني البشر. ‏