يخطىء من يظن أن علاقة مصر بالقضية الفلسطينية تنحصر في دور الوسيط, الذي يتدخل في فترة زمنية محددة لنقل وجهات النظر بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي, ومحاولة التقريب بينهما, فهذا التصور قد ينطبق على أي دولة تحاول القيام بهذا الدور لتعزيز موقعها أو دفعها من طرف هنا أو هناك في لحظة معينة, لكنه لا ينطبق على مصر, فالعلاقة التاريخية بين مصر والقضية الفلسطينية وآلاف الشهداء المصريين الذين سالت دماؤهم على مدى أكثر من60 عاما, والتضحيات الاقتصادية والسياسية الأخرى التي قدمتها مصر من أجل الشعب الفلسطيني, كلها تؤكد أن القضية الفلسطينية بالنسبة لمصر هي قضية أمن قومي تمس أمن وسلامة كل مصري.
وعندما تتحرك مصر في هذه القضية فإن تحركاتها تنبع من الحفاظ على أمنها القومي, ومن دورها التاريخي في مساندة الشعب الفلسطيني حتى يستعيد حقوقه كاملة, ويقيم دولته الفلسطينية المستقلة, وعاصمتها القدس الشريف, ولا تتحرك لتحقيق أهداف شخصية ضيقة, أو للمتاجرة بالقضية الفلسطينية, أو خدمة لأهداف قوى أخرى تحاول استغلال معاناة الفلسطينيين في تحقيق طموحات إقليمية ودولية على حساب المصالح العليا للأمة العربية.
لذلك تكثف مصر من تحركاتها مع كل الأطراف وصولا إلى كل ما يؤدي إلى تحسين أوضاع الفلسطينيين ومساعدتهم على استعادة حقوقهم, ومن هذا المنطلق جاءت القمة المصرية الفلسطينية التي عقدت أمس بين الرئيس حسني مبارك ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبومازن, وهي قمة تتكرر كل عدة أسابيع ـ وأحيانا كل عدة أيام ـ في إطار المشاورات المستمرة بين مصر والسلطة الفلسطينية التي تستهدف المساعدة في دفع المفاوضات بين السلطة وإسرائيل بالشكل الذي يحقق هدف الوصول إلى اتفاق يتيح قيام دولة فلسطينية مستقلة, كما تستهدف العمل على استقرار الجبهة الداخلية الفلسطينية وحل الخلافات بين حركتي فتح وحماس.
وفي السياق نفسه, تواصل مصر مباحثاتها الثنائية مع الفصائل الفلسطينية, تمهيدا للحوار الفلسطيني المرتقب في القاهرة, وقد قطعت مصر شوطا كبيرا في هذا المجال, بهدف الوصول إلى حل جذري للخلافات الفلسطينية الداخلية, والاتفاق على قواسم مشتركة تحكم العلاقة بين الفصائل بعضها بعضا, وبين السلطة الفلسطينية بما يؤدي إلى الحفاظ على المصالح العليا للشعب الفلسطيني ويحقق الاستقرار لجبهته الداخلية, حتى يتفرغ الجميع يدا واحدة لمواجهة المراوغات الإسرائيلية والدخول في مفاوضات جادة للتوصل إلى اتفاق حول قضايا الوضع النهائي.
إن مصر التي قدمت الغالي والنفيس من أجل القضية الفلسطينية لا تسعى إلى دور لا تملك مقوماته, أو إلى انتهاز لحظة تاريخية معينة لاستغلال طرف فلسطيني ضد آخر, أو للعمل من أجل مصالح فردية دون حساب للمصالح العربية العليا, وإنما تستكمل رسالتها التاريخية من أجل الوصول إلى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية, يرفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني ويحقق له حلم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة, ويحافظـ على الأمن القومي العربي وسط التطورات الإقليمية والدولية المتلاحقة التي يشهدها العالم الآن.
