ليس من المبالغة في شيء القول بأن الاجتماعات التي شهدتها العاصمة السورية قبل ايام والتي شملت قمة سورية فرنسية ثم قمة رباعية سورية- فرنسية قطرية - تركية تعد من اهم الاجتماعات التي عقدت على مستوى المنطقة في الآونة الاخيرة. ولعل أهمية هذه الاجتماعات تنبع من وترتبط ليس فقط بالعلاقات السورية - الفرنسية وما تشهده من تطور ايجابي ملموس، ولكنها ترتبط كذلك بطبيعة وأهمية القضايا التي تمت مناقشتها خلال القمة الرباعية وتأثير ذلك على مستقبل الاوضاع في المنطقة .
وفي هذا الاطار فإنه من الطبيعي ان تسعد وترحب سوريا الشقيقة بهذه الاجتماعات وبما تنطوي عليه ايضا من دلالات سياسية تصب في النهاية لصالح سوريا وكذلك لصالح الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم . فسوريا التي تعرضت لكثير من الضغوط ومحاولات العزل على هذا المستوى او ذاك استطاعت في النهاية ان تفتح جسور اتصال وتواصل مع فرنسا التي شهدت بالفعل تغيرا محسوسا في سياساتها حيال دمشق، ساعدت عليه بالضرورة مواقف سورية مرنة ظهرت نتائجها بوضوح على الساحة اللبنانية، سواء على صعيد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية، او على صعيد العلاثقات الثنائية بين بيروت ودمشق. بما في ذلك الاعراب عن اقامة علاقات دبلوماسية والسعي العملي لتطوير العلاقات بين لبنان وسوريا، في ضوء الزيارة الاخيرة التي قام بها الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان الى دمشق مؤخرا .
ومع التأكيد على ان هذا الانفراج الذي تلعب باريس دورا حيويا ومؤثرا فيه، هو انفراج واسع بالضرورة، نظرا لدور فرنسا وطموحها من ناحية، ولما يمكن ان تقوم به سوريا من جانبها من ناحية ثانية فى اكثر من قضية من قضايا المنطقة التي تفرض نفسها بقوة الآن على مختلف المستويات، فإن القمة الرباعية التي ضمت قادة سوريا وفرنسا وقطر وتركيا اتسمت بدلالة عميقة على هذا الصعيد، سواء بحكم المشاركين فيها او بحكم القضايا التي تم تناولها .
واذا كانت العلاقات السورية- الفرنسية قادرة على ان تشكل اطارا مواتيا يدعم التقارب على الساحة اللبنانية ويحول عند الضرورة دون مضاعفات غير مرغوبة على هذا المستوى او ذاك، وذلك بالتعاون ايضا مع دولة قطر الشقيقة، بحكم ما تمتلكه الاطراف الثلاثة من قدرة على التأثير عبر علاقاتها مع مختلف الاطراف اللبنانية المؤثرة، فإن العلاقات السورية- الفرنسية قادرة على الدفع بسوريا نحو آفاق ارحب خاصة على صعيد علاقات دمشق مع الاتحاد الاوروبي اقتصاديا وماليا وسياسيا ايضا حيث تتولى فرنسا رئاسة الاتحاد الاوروبي حتى نهاية هذا العام .
على صعيد آخر فإنه في الوقت الذي تحرص فيه فرنسا ساركوزي على القيام بدور اكثر نشاطا على صعيد عملية السلام في الشرق الاوسط ومحادثات السلام غير المباشرة بين سوريا واسرائيل، فإن المشاركة التركية في القمة وبحث ما يتصل بهذه المحادثات وما اودعه الرئيس السوري من نقاط لدى رئيس الوزراء التركي تمهيدا للتوصل الى ورقة مبادئ اولية للمفاوضات المباشرة التي سيكون لباريس دور مهم فيها تشير بوضوح الى تنامي الدور التركي النشط، ليس فقط على صعيد عملية السلام ولكن ايضا على صعيد العلاقات التركية مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهو ما ينعكس ايجابيا على التطورات في المنطقة لاعتبارات واسباب عديدة تاريخية ومعاصرة .
على أية حال فإن ما شهدته قمة دمشق الرباعية من مناقشات ومواقف خاصة فيما يتصل بالتحذير من ضرب ايران من ناحية وبالتأكيد على عدم ادخال دول مجلس التعاون كطرف في الخلاف بين طهران والغرب من ناحية ثانية، من شأنه ان يجعل قمة دمشق الرباعية من القمم التى يعول عليها . ولم تكن مصادفة انها جاءت قبل ايام قليلة من اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية التي ستعقد غدا بالقاهرة .
