انتظر النائب العام في مصر حتى أغلقت بورصة الأوراق المالية أبوابها ليعلن يوم الثلاثاء الماضي قرار الاتهام في قضية مقتل المغنية سوزان تميم في دبي في يوليو الماضي، لأن احد المتهمين هو رئيس أكبر شركة عقارية في مصر وخوفاً من الآثار السلبية لقرار الاتهام والتي لن تشمل أسهم هذه الشركة فقط بل ستتجاوزها (ولو بصورة مؤقتة) لغيرها من الأسهم.
ومع ذلك فإن نبأ اتهام الملياردير هشام طلعت مصطفى في جريمة القتل كان قد تسرب في دائرة ضيقة بسبب استصدار النيابة لقرار من مجلس الشورى برفع الحصانة عن المتهم العضو البارز في المجلس. وقد حرص النائب العام على إتمام هذه الخطوة قبل إعلان قرار الاتهام، حتى لا يتكرر ما حدث مع عضو آخر بالمجلس هو ممدوح إسماعيل صاحب عَبارة الموت التي راح ضحيتها أكثر من ألف مواطن والذي تمكن من الهرب إلى خارج البلاد هو وأسرته بسبب التأخر في رفع الحصانة أو إلقاء القبض عليه أو منعه من السفر !!
ومن المفارقات انه في اليوم التالي (الأربعاء) كانت إحدى المحاكم المصرية تبدأ في إعادة محاكمة ممدوح إسماعيل بعد أن أصدرت محكمة ابتدائية حكما ببراءته هو وابنه وباقي المتهمين في كارثة العبارة. ونفس موقف ممدوح إسماعيل يواجهه برلماني آخر، وهو المليونير هاني سرور عضو مجلس الشعب وصاحب واحدة من اكبر شركات التجهيزات الطبية في مصر، والذي حصل أيضا على حكم ابتدائي بالبراءة في قضية غش أكياس الدم وينتظر إعادة المحاكمة أمام محكمة الاستئناف بعد بضعة أسابيع.
وبعيداً عن تفاصيل قد يكون مكانها صفحات الحوادث، ومع الالتزام بمبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة، فإننا نقف بالضرورة أمام الظاهرة الأخطر وهي ارتباط أسماء عدد من كبار رجال الأعمال في مثل هذه الجرائم البشعة، وما تكشفه من استهانة البعض بالقانون وشعورهم أنهم فوق أي حساب في ظل زواج محرم بين السلطة والثروة كانت له أفدح المخاطر وأسوأ السلبيات.
لقد شهدت السنوات القليلة الماضية صعوداً هائلاً في نفوذ عدد محدود من أصحاب الثروات، بدأ مع تطبيق سياسات اقتصادية جديدة وتكوين جماعات مصالح تحرص على الدفع نحو منهج جديد تتخلى فيه الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية والاقتصادية. وحرص الحزب الوطني على ربط هذه الجماعات به وتصعيد نجومها في صفوفه، وفق تصور أنهم سيساعدونه في تطبيق السياسات الجديدة، وأنهم سيساهمون في تمويل نشاطاته.
و كان ذلك في البداية يتم من خلال معادلة تبدو فيها الدولة وأجهزتها في موقع قوة، ولكن الأمور سارت بعد ذلك في مسارات أخرى، ليزداد طموح هذه الفئة من رجال الأعمال مع تضاعف ثرواتها، وليزداد تواجدها في دوائر اتخاذ القرار في الحزب الحاكم ثم في البرلمان حيث أصبحوا يسيطرون على أهم لجانه ثم ليمتد هذا التواجد المكثف بعد ذلك إلى الحكومة، وكان المبرر أنهم سينقلون قدرتهم على الإنجاز إلى الأجهزة التنفيذية، وسيعبرون بالمجتمع إلى مرحلة غير مسبوقة من النمو والرفاهية.
لكن النتيجة كانت مخيبة للآمال.. صحيح أن الاستثمارات القادمة من الخارج زادت بفعل ارتفاع أسعار البترول وما أدت إليه من فوائض مالية في العديد من الدول العربية، وصحيح أنه قد تحققت نسبة نمو بلغت 7 %، ولكن الصحيح أيضا أن الغالبية العظمى من المواطنين لم تشعر بآثار هذه التنمية التي ذهب معظم عائدها إلى هذه الفئة القليلة التي جمعت بين السلطة والثروة.
والتي استغلت مواقعها في الحزب والحكومة والبرلمان لكي تضاعف ثرواتها من خلال نهب أراضي الدولة بأرخص الأسعار، ومن خلال عمليات خصخصة شابها الكثير من الفساد، ومن خلال احتكار بعض السلع الأساسية كالحديد ومن خلال تسخير أجهزة الدولة لخدمة مصالحهم الخاصة.
وفي ظل هذه الأوضاع كان من الطبيعي أن تشعر هذه الفئة المحدودة التي تركزت في أيديها الثروة والنفوذ أنها فوق القانون واكبر من المحاسبة، لينتهي الأمر ببعضهم في قفص الاتهام في جرائم بشعة تصل عقوبتها إلي الإعدام، ولينتهي الأمر ببعضهم الآخر متهمين أمام الرأي العام بالإضرار بالمصلحة العامة من خلال نهب أراضي الدولة أو ممارسة الاحتكار.
ولينتهي الأمر بهم جميعاً متهمين أمام النظام الذي رعاهم لدرجة التدليل بالإضرار الجسيم به بما مارسوه من فساد وإفساد، وما ارتكبوه من جرائم، وما نشروه من فضائح، وما أشاعوه من مشاعر السخط التي شملت حتى كبار المستثمرين ورجال الصناعة الحقيقيين الذين أضيروا ابلغ الضرر مما فعله هؤلاء بهم وبالاقتصاد الوطني.
والوضع الآن يتجاوز جريمة قتل أو محاكمة هذا أو ذاك إلى مراجعة مطلوبة للسياسات التي أدت إلى ظهور هذه الفئة واستشراء نفوذها، وإلى محاسبة واجبة على ما وقع من عمليات نهب لأموال الدولة، وإلى وضع نهاية سريعة لهذا الزواج الحرام بين السلطة والثروة، بكل ما أدى إليه من فساد وإفساد !!
كاتب صحافي مصري