خبر صغير من النوع الذي تدفن فيه قضايا وملفات بعينها، والخبر الذي أشير إليه نشرته الأهرام القاهرية (3/ 9/ 2008) وهو ذو أهمية استثنائية بدءا من عنوانه: «فراتيني: ينبغي على أوروبا حماية الحرية الدينية» ، أما المحتوى فخلاصته أن وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتيني أعرب عن أمله في أن يناقش وزراء الخارجية الأوروبيون خلال اجتماعهم القادم قضية العنف ضد المسيحيين في الهند لأنها مسألة تتعلق بـ «الحريات الدينية».

وهي إحدى الحريات الأساسية التي يتوجب على أوروبا الدفاع عنها، وحسب الأهرام القاهرية قال وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتيني: «نعلم أن الحكومة المركزية في الهند وصفت أعمال القتل هذه بـ «العار الرهيب» لكن من الواضح أن حكومات الأقاليم تنتظر ما هو أكثر من قبل نيودلهي» .

وأول خاطر جال بذهني بعد قراءة الخبر أن تذكرت الأثر القائل: «من عيَّر أخاه برضعة لبن كلبه لم يمت حتى يرضعها» !

فعندما أنشأت الولايات المتحدة قبل اثني عشر عاما لجنة للحريات الدينية بالكونغرس وأصدرت تقارير تقيم فيها حالة الحريات الدينية في دول العالم المختلفة كان الاتحاد الأوروبي أول من انتقد الخطوة وحذر من أن قضايا الحريات الدينية شأن سيادي لا يجوز تدويله ولا تقييمه ولا التعقيب عليه، وها هي القارة العجوز تستدير للخلف وتتبنى ما كانت «تعير» به أميركا.

والأمر طبعا أكبر وأعمق وأخطر وأهم من هذا بكثير، فهو تعبير عن تغير مزاجي في بعض الدول الأوروبية الرئيسة، وللأمر صلة مباشرة بالجدل الذي أطلقته أحداث الحادي عشر من سبتمبر حول قضايا العلاقة بين الأديان والحضارات المختلفة، وبطبيعة الحال ساعدت عدة أزمات تلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر (الرسوم الدانماركية المسيئة - قضية الرسام فان جوخ - النائبة الهولندية هيرسي على - فيلم فتنة....) على طرح قضية الدين بقوة غير مسبوقة على أجندة العلاقات الدولية.

لكن ماذا حدث بالضبط في الهند؟ وماذا يعني؟

الذي حدث أن شائعات انتشرت في بعض ولايات شرق الهند مفادها أن نشاطا تبشيريا يتم بين الفئات الأشد فقرا (المنبوذين) يتم فيه شراء ضميرهم الديني بالمال، وترافق هذا مع مقتل زعيم هندوسي في مقاطعة كاندامال وهي منطقة قبلية ينشط فيها المبشرون المسيحيون منذ سنوات، وعليه تحركت جماعات من الهندوس المتشددين ونهبت حشودهم كنيسة واشتبكت مع المسيحيين وفي نهاية العدوان كانت الحصيلة تدمير ما يزيد على 12 كنيسة ومقتل أكثر من عشرة فضلا عن نزوح الآلاف.

وفي تصريحات ملفتة حذر الفاتيكان مما وصفه ب» الخوف من المسيحية» (المسيحية فوبيا)، معتبرا أنها مشكلة متنامية في جميع أنحاء العالم، ويجب التصدي لها بنفس تصميم التصدي لمشكلة معاداة السامية والخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا). وقال دومينيك مامبرتي رئيس الأساقفة وزير خارجية الفاتيكان في كلمة أمام مؤتمر في شمال إيطاليا: «إن الحرية الدينية جزء أساسي من العلاقات الدولية والكرامة الإنسانية» .

وأضاف: «من أجل تعزيز هذه الكرامة بطريقة متكاملة فإنه يجب التصدي لما يسمى (بالخوف من المسيحية) بشكل حاسم مثل التصدي (للخوف من الإسلام) ولمعاداة السامية» ، وقال مامبرتي إن الأحداث التي وقعت في الهند جعلت قضية الحرية الدينية أكثر إلحاحا في الوقت الراهن. وأشار مامبرتي إلى أن 21 منصرا كاثوليكيا قتلوا على مستوى العالم في عام 2007.

و» المسيحوفوبيا» ظاهرة مرشحة للتنامي وبخاصة في الهند التي تقلصت فيها إلى حد كبير التوترات في العلاقة بين المسلمين والهندوس ليتصاعد التوتر بين الهندوس والمسيحيين، والمشكلة هنا هي مشكلة التشدد القومي في المقام الأول، فالمهاتما غاندي قتل برصاصة أطلقها متشدد هندوسي والعجز عن احتواء المسلمين بعد الاستقلال أدى لانفصال باكستان وبنجلاديش بكلفة إنسانية عالية جدا، وخلال عقود متوالية عانى المسلمون الذين انحازوا لخيار البقاء في الهند ألوانا شتى من المعاناة.

ولعل الواقعة الأكثر قدرة على تحديد المسؤول الأول عن هذه الأزمة، وبالتالي يكشف حقيقة الدور الذي يلعبه المزاج المتشدد - حتى لو لم يكن دافع التشدد دينيا - في تأجيج الصراعات عموما أن سونيا غاندي أرملة راجيف غاندي رئيس الوزراء السابق قادت حزبها «المؤتمر» في الانتخابات البرلمانية وبعد الفوز تراجعت عن تولي منصب رئيس الوزراء لأنها إيطالية المولد ويمكن أن يعتبر توليها منصب رئيس الوزراء استفزازا للمتشددين القوميين.

إن وصف «العار الرهيب» الذي استخدمه المسؤولون الهنود للإشارة إلى ما حدث يعكس انزعاجا رسميا حميدا، والتعبيرات التي وردت على لسان وزير خارجية إيطاليا مؤشر على تحول في الرؤية الأوربية يحمل في طياته دلالات كثيرة لا تخلو من إثارة.

فالمشاعر المعادية لا تقتصر على معاداة السامية والإسلاموفوبيا بل تتسع للمرة الأولى لتشمل ظاهرة جديدة هي «المسيحوفوبيا» والقضية ستكون ساحة جديدة للجدل في العلاقات الدولية وستشتبك بقضايا ما زالت محل جدل مثل: السيادة والتدخل، وحدود ما هو إنساني وما هو سياسي، .... والدرس يتجاوز حدود الهند ليكون نموذجا لما يمكن أن يحدث في ملفات عربية مشابهة.

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com