يبدو أن إدارة الرئيس بوش صارت مرشحة لضرب الرقم القياسي، إذا لم تكن قد ضربته، بعمليات التنصّت. وربما للفوز بالبطولة، في هذا الحقل. نشاطاتها المكثفة في هذا المجال طاولت الداخل والخارج. شكوكها وهواجسها، جعلتها تطلق يديها ومن دون تمييز؛ في التجسس على كل من يقع في دائرة الارتياب. خاصة من العرب. وهي دائرة واسعة شملت الإنسان العادي والرسمي.
آخر فصول هذه السيرة الطويلة، ما كشفه الكاتب والصحافي الأميركي الشهير، بوب وودوارد، في كتابه الأخير الذي يصدر غداً، تحت عنوان «التاريخ السرّي للبيت الأبيض 2006 ـ 2008». أبرز ما فيه، أن البيت الأبيض بقي يدير عملية سريّة للتنصت على رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، وعدد من كبار المسؤولين العراقيين.
وذكر وودوارد، المعروف بمصادره الموثوقة، أن من مرّر إليه هذه المعلومة، أبلغه بأن واشنطن تعرف أي شيء يقوله المالكي! وكان سبق لإدارة الرئيس بوش أن طلبت من الكونغرس التصويت على مشروع قانون، يجيز لها مراقبة المكالمات الهاتفية والرسائل الالكترونية وغيرها من وسائل الاتصال؛ لكل من ترى وجوب وضعهم تحت عين الرقيب، لدواع أمنية.
الموضوع أخذ الكثير من الأخذ والرد، لما يمثله من انتهاك للحرية الشخصية التي كفلها الدستور الأميركي. لكن الإدارة أصرت على الممارسة، كتدبير تقتضيه، كما قالت يومذاك، محاربة الإرهاب. ولا يقتصر الأمر على مثل هذه الخطوات وحدها، بل ان إدارة الرئيس بوش، صار لها «تاريخ»، كما يدل عنوان الكتاب، في السرّية واعتمادها كطريقة في الحكم والتعامل.
ومن هذه الممارسة ما حصل داخل الإدارة نفسها؛ وانتهى بفضائح انكشف أمرها ـ مثل التي كان بطلها الرجل الأول، ليبّي، في مكتب نائب الرئيس تشيني ـ وأخذت طريقها إلى المحاكم. بصرف النظر عن الحيثيات والدواعي، الإسراف في المراقبة والتنصّت، وبالتحديد تجاه العرب؛ لا يعود بالأساس إلى اعتبارات أمنية؛ بقدر ما يعود إلى التوجس المبني على الهوية. ومكمن العطب هنا يكمن في السياسة. الإدارة تعتمد سياسات خاطئة وجائرة تجاه المنطقة، كما هي الحال في العراق وفلسطين.
يستثير هذا ردود فعل منها ما يندرج في خانة الإرهاب. لدرء ذلك يتم التعاطي مع المنطقة كلها، على أساس أنها متهمة سلفاً. لا جدال أن هناك حالة إرهابية قائمة. كما لا جدال أن للدول الحق في حماية أمنها القومي، بما تراه مناسباً؛ ضمن المعمول به والمتعارف عليه. لكن ذلك لا يبرر وضع الناس بالجملة في مقام الشك والارتياب. خاصة إذا كان المتنصت يزعم بأنه يعمل ويتطلع إلى بناء علاقات صداقة مع الآخرين. معادلة لا تستقيم. الخلل الأساسي فيها، سياسي أكثر من أمني.
الأول سابق على الثاني. صحيح أن التجسس، بالتنصت أو غيره، موجود منذ أن وجدت الدول والمجتمعات. والكل يمارسه، بصورة أو بأخرى. لكن ممارسته ينبغي أن تبقى محدودة ومبرّرة، وإلا تحولت إلى هوس لا بدّ وأن تكون له آثاره السلبية.
