القمة الرباعية التي عقدت في دمشق امس الاول بمشاركة الرئيس السوري بشار الاسد والرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي وامير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان خرجت برسالة سلام واضحة والقت الكرة مجددا نحو اسرائيل التي التزمت الصمت وقابلت بفتور هذه القمة تماما على غرار الادارة الاميركية التي ربما رأت في الدور الفرنسي الجديد مسا بدورها في عملية السلام وهو الدور الذي لم يسفر عن اية نتائج جوهرية منذ اكثر من خمسة عشر عاما.

الغريب في الموقف الاسرائيلي ليس فقط عدم التقاط الفرصة التاريخية لارساء السلام مع سوريا ولبنان في المحصلة بل ان يقابل هذا الجهد العربي - الاوروبي بتهرب واضح وان تتمحور النقاشات في اسرائيل كما هي العادة حول الامور الاجرائية كالقول مثلا ان على سوريا اجراء مفاوضات ثنائية مباشرة مع اسرائيل وهو الاسلوب الذي جربه الجانب الفلسطيني منذ اتفاقيات اوسلو وحتى اليوم ولم يسفر سوى عن مزيد من التراجع في عملية السلام ومزيد من التشدد الاسرائيلي والممارسات التي تنسف اسس ومقومات هذا السلام.

وسواء على المسار الفلسطيني او المسار السوري فقد اثبتت المبادرات الفلسطينية - العربية - الدولية المتتالية لاطلاق عملية سلام جادة تقود نحو صنع سلام حقيقي انه لا يوجد لدى الطرف الاسرائيلي شريك لصنع السلام ولم توجد قيادة اسرائيلية قادرة على التحلل من عملية الاحتلال والاستيطان وتمتلك الشجاعة للاقرار بحقوق الشعب الفلسطيني المشروع وبالحقوق السورية في الجولان المحتل وكذا بالحقوق اللبنانية في مزارع شبعا.

ومن الواضح ان اسرائيل التي رسّمت الامم المتحدة حدودنا الدولية مع لبنان لا زالت حتى اليوم تنتهك السيادة اللبنانية بانتهاك طيرانها الحربي لاجواء لبنان ولم تستوعب بعد وجود دولة مستقلة ذات سيادة كاملة على اراضيها على حدودها الشمالية بل انها تعطي لنفسها الحق في التدخل في الشأن الداخلي اللبناني والتحريض ضد اطراف لبنانية ... الخ.

وبنفس الطريقة بل واشد منها فان اسرائيل التي تتحدث عن السلام عملت على مدى السنوات الماضية على المسار الفلسطيني على انتهاك الاتفاقيات الموقعة وتقويض السلطة الوطنية وتعطيل مفاوضات السلام وفرض الحصار والقيام بحملات عسكرية خلفت القتل والدمار والاعتقال في مختلف انحاء الاراضي الفلسطينية.

وبعيدا عن الاعتبارات الداخلية الاسرائيلية او عن مقولة ان رئيس الوزراء الحالي ايهود اولمرت على ابواب مغادرة منصبه وانه لا يستطيع الاقدام على خطوات جوهرية على المسارين السوري والفلسطيني فأن اولمرت عندما كان قويا وقبله ارئيل شارون وقبلهما باراك ونتانياهو وبيرس وحتى رابين في حكوماتهم المتعاقبة لم يثبتوا انهم فعلا معنيون بتحقيق السلام الشامل لا مع الجانب الفلسطيني ولا مع سوريا ولا مع لبنان ولا العالم العربي الذي طرح مبادرة سلام تاريخية قابلتها اسرائيل بنفس التهرب الذي قابلت به امس الاول نتائج القمة الرباعية في دمشق.

واليوم كما بالامس وكما هو الحال على مدى السنوات الطويلة الماضية منذ توقيع اتفاقيات اوسلو نرى ويرى العالم اجمع تهربا اسرائيليا واضحا ومحاولات اسرائيلية لاجهاض جهود السلام وهو ما يدفعنا للاعتقاد ان اسرائيل بحكوماتها المتعاقبة واحزابها المختلفة لم تتخذ بعد قرارا استراتيجيا بصنع السلام وان حديثها عن السلام ومطالبها وشروطها ومناوراتها لا تعدو كونها مجرد وسيلة لتضليل العالم اجمع ولفرض الواقع الذي تريد والذي اقل ما يقال فيه انه يشكل وصفه اكيدة لجولة اخرى من الصراع ربما تكون تداعياتها اسوأ من ذي قبل.