بدأت تداعيات حرب القوقاز التي اندلعت أخيرا بين روسيا وجورجيا تفعل فعلها فيما حولها إقليميا والبداية في أوكرانيا، وفيما حول لها في دائرة أوسع في الشرق سواء في سوريا وأفغانستان أو تركيا وإيران، ففي أوضاع إقليمية شديدة التفاعل، وأوضاع دولية عالية التأثير، وفي ظل نظام دولي متغير بالعودة للقديم اتجاها نحو الحرب الباردة أو بالخروج من عباءة الجديد رفضا لهيمنة القطبية الأحادية، فلا شيء يحدث بلا مقدمات، ولا مقدمات بلا نتائج، ولا نتائج بلا تداعيات.
في أوكرانيا انهار التحالف البرتقالي الحاكم بين رئيس الجمهورية يوتشينكو الشديد الولاء للغرب والشديد العداء لروسيا، ورئيسة الحكومة يوليا تيماشينكو الرافضة للعداء مع روسيا والموازنة بين علاقات أوكرانيا الروسية والأميركية، وحدث ذلك الفراق السياسي تعبيرا عن اللاتلاقي السياسي بينهما في الموقف من حرب القوقاز على ضوء أنها ليست بين جورجيا وروسيا ولكن بين حلف الأطلسي وروسيا في ظل رفض شعبي لانخراط أوكرانيا في الحلف إلى الحد الذي حرك المظاهرات الشعبية قبل أيام في كييف احتجاجا ليس فقط على عضوية الحلف بل على مجرد مشاركة أوكرانيا في مناورات يجريها الحلف في البحر الأسود .
أوكرانيا كانت مع جورجيا تشكلان ثنائيا متحالفا ضد روسيا وفق التحريض الأميركي، وتسعى رئاساتهما على غير الاتجاه الغالب لدى شعبيهما للانضمام للحلف الأطلسي، ومن أجل ذلك تشتبكان مع الاتحاد الروسي تأكيدا للولاء للغرب بما يضمن عطف الغرب عليهما وضمهما للاتحاد الأوروبي خصوصا بعد ما وعدا بذلك في مؤتمر الحلف في بوخارست بضغط أميركي، في محاولة لحصار روسيا وبتحفظ أوروبي لعدم الرغبة في استفزاز روسيا أو خسارة العلاقات معها الحيوية لأوروبا .
الأمر الذي اتضح في قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة وحرصها على عدم العودة لسياسة الحرب الباردة وإيفادها الرئيس ساركوزي إلى موسكو لمحاولة التفاهم على تبريد الأوضاع في القوقاز على عكس الموقف الأميركي والذي يعكسه حضور نائب الرئيس الأميركي تشيني إلى تبليسي.
هذا الموقف الأميركي اتضح لروسيا بصورة أكثر سفورا في أزمة نشر الدرع الصاروخي الاستراتيجي الأميركي بصورة استفزازية في بولندا وتشيكيا الحليفتين السابقتين لروسيا والعضوين الآن في الحلف الأطلسي بما يهدد الأمن القومي الروسي، وبما جعل هاتين الدولتين هدفا للصواريخ الاستراتيجية الروسية فيما لو تحولت الحرب شبه الباردة الحالية إلى حرب شبه ساخنة بين روسيا وأميركا مع استبعاد حرب باردة كاملة واستحالة حرب ساخنة مباشرة بينهما .
لقد بلغت الحرب الباردة بين القطبين والحلفين الكبيرين ذروتها في الأزمة الكوبية فيما هدد العالم بتحول الحرب الباردة إلى حرب ساخنة بين الدولتين النوويتين فيما يعرف بأزمة الصواريخ الروسية في كوبا، عندما اعتدت أميركا على كوبا في عملية «خليج الخنازير» الفاشلة لغزوها وتغيير نظام الحكم الكوبي، ونشرت روسيا «درعا صاروخيا» ضد إعادة محاولة الغزو الأميركي للأراضي الكوبية.
عندئذ قامت قيامة واشنطن لما اعتبرته تهديدا روسيا مباشرا في الكاريبي على الأمن القومي الأميركي، واستنفر الحلفان، وبدا العالم على شفير الحرب النووية، وتوصل الرئيسان خروشوف وكيندي إلى اتفاق ينهى التهديد الأميركي بالعدوان على كوبا في مقابل سحب الصواريخ الروسية من كوبا. لكن الخبراء، الروس والأمريكيين يحذرون من أن الوضع السياسي في عالم اليوم قد أصبح أكثر توترا مما كان عليه إبان أزمة البحر الكاريبي.. فحذار من الانزلاق !