مع حلول شهر رمضان الفضيل، ومع توجه جموع المسلمين بقلوبهم وافئدتهم الى الله العلي القدير طلبا للهداية والمغفرة، ومع سعيهم بإخلاص من اجل الوئام والتقارب وتجاوز الخلافات املا في تحقيق ما يفيدهم ومجتمعاتهم في الحاضر والمستقبل، فإن كثيرين يتطلعون صوب الساحة الفلسطينية التي تعاني بشكل حاد من تدهور عميق وواسع النطاق يطول كل شيء سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية المحتلين.

وإذا كان فتح معبر رفح خلال اليومين الماضيين قد خفف ولو نسبيا من معاناة الفلسطينيين العالقين في المعبر، كماخفف من معاناة من اسعدته الظروف بالمرور خاصة من المرضى والطلاب وغيرهم، فإنه من المهم والضروري التوقف قليلا امام الجهود الحثيثة المبذولة من جانب مصر واطراف عربية اخرى تعمل وتسعى جميعها من اجل لم شمل الحوار الفلسطينى مرة أخرى واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية لتعود كما كانت من قبل.

ومع تقدير كل الجهود المبذولة وما تتحمله الاطراف التي تسهم فيها على نحو او آخر فإنه من المأمول ان تصل كل الاطراف الفلسطينية، فصائل وتنظيمات وتيارات وغيرها، الى قناعة ويقين مشترك بأنه آن الأوان لتعود اللحمة والتماسك الى النسيج الفلسطيني مرة أخرى حتى يتمكن الشعب الفلسطيني من تحقيق اهدافه على النحو الذي يريد وبما يتفق مع ما يراه هو محققا لصالحه اليوم وغدا.

نعم شهدت الاشهر الماضية جهودا عديدة ، وتحركات شتى من اجل التقريب بين حركتي فتح وحماس، كما شهدت افكارا ومقترحات وتصورات مختلفة فلسطينية وعربية لتحقيق حد ادنى من الالتقاء بين الاشقاء، ولكن الصحيح أيضا هو ان الأوضاع الآن على الساحتين الفلسطينية والاقليمية تحتم الى حد بعيد ضرورة التقاط طوق النجاة الفلسطيني المتمثل في استعادة الحوار والوحدة الوطنية للتعامل مع موقف قوي وفعال، على الاقل نسبيا، مع ما تموج به الساحة من افكار ومقترحات ومحاولات للدفع بالفلسطينيين الى السير على طريق التسوية النهائية في ظروف غير مواتية بالنسبة لهم او على الاقل ليست الأفضل لهم ولمصالحهم الوطنية.

وإذا كانت الأوضاع على الساحة الاسرائيلية معروفة تماما، وكما هي على الساحة الاميركية، فإن الامر بالنسبة للساحة الفلسطينية يحتاج بالضرورة الى الانطلاق من مائدة الحوار والتماسك الوطني الفلسطيني. فلم يعد الفلسطينيون، وحتى العرب، يملكون ترف الانتظار طويلا والرهان على الزمن لأن تغيرات كثيرة جرت وتجري على امتداد المنطقة ومن حولها من جهة، ولأن الخلافات الفلسطينية استطاعت بحدتها وخطورتها ان تؤثر سلبا بدرجة أو بأخرى على ما كانت تحظى به القضية الفلسطينية من تعاطف وتأييد دولي واسع وعميق بامتداد العالم من جهة ثانية.

صحيح ان التأييد والتعاطف لا يزال قائما في أوساط وعلى مستويات عديدة، ولكن الصحيح ان الاشارة والتلميح الى الخلافات الفلسطينية - الفلسطينية ودوافعها وأسبابها اصبحت كثيرة، خاصة وان البعض يستخدمها كمبرر للتقاعس أو التسويف أو غير ذلك.

على أية حال فإنه مع التأكيد على ان مفتاح الحل الفلسطيني هو في النهاية في أيدي الفلسطينيين انفسهم ، لأنهم هم القادرون على استعادة وحدتهم وتجاوز خلافاتهم والالتقاء على موقف فلسطيني قادر على تحقيق وصيانة المصالح الفلسطينية والتفاعل مع ما شهدته وتشهده المنطقة من تطورات، فإن تحقيق ذلك عمليا يتطلب التقاء كل القوى والأطراف الفلسطينية وفي مقدمتها فتح وحماس للعمل بجد واخلاص وارادة حقيقية لبناء موقف فلسطيني موحد يحتاجه الفلسطينيون وتحتاجه القضية اكثر من أي وقت مضى. فهل ستتمكن القيادات الفلسطينية من القيام بهذا العبء وتلك المسؤولية التاريخية فعلا؟ لعل اجواء رمضان وما تحمله من معان وتضحيات اسلامية تساعد على تحقيق ذلك. ​​