لاشك في أن مبادرة «نور دبي» التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لعلاج مليون مصاب ومهدد بالعمى منذ يومين قد أسعدت أسراً وعائلات، من بين أفرادها مكفوفون أو مهددون بالعمى. فهي كمبادرة تحلق بالآمال والطموحات، وتشفي القلوب من هموم لم تبرحها.
عندما كان سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم يلقي كلمة المبادرة نيابة عن والده تراءت أمامي صورة الطفل «محمد.ش»، كنت قد التقيته منذ عامين عن طريق إحدى الصديقات. طفل لم يتجاوز حينها العشر سنوات، من ينظر إليه لا يتوارد إليه انه كفيف، فهو إن تحدث جذبك بحديث ممتع يتدفق منه سيل من المعلومات التي تفوق عمره الزمني، كاشفا عن هوايات وإمكانات ربما لا تتاح لغيره من المبصرين.
وان سألك أحياناً ألجمك، فلا تستطيع الإجابة على طرح طفل في منتهى صور الذكاء. أن استمع حفظ، وان حفظ أبدع، وان درس تفوق، وان ابتسم تشعر بأن الدنيا حوله كلها تبتسم رضا وقناعة، حرمه الله البصر ومنّ عليه بمواهب وقدرات تعجب لها. الجانب المؤلم في حياته تجسد في صورة والدته تلك التي تستشعر من خلالها كل لحظة الم يعيشها الطفل محمد.
تحكي والدته قصتها مع اكتشاف ولادة محمد كفيفا، فتقرر بعدها متوكلة على الله الاكتفاء به وبأخيه الذي يكبره سنا بسبب مشقة تكبدتها أثناء تربيتهما، لاسيما وهي تفتقر للخبرة التي تعينها على التعامل مع طفل كفيف ولا تملك وزوجها الإمكانات المعينة.
احتملت الأم من أجل عيني فلذة كبدها، ربّته وأحسنت تربيته، وكانت الأقرب إليه حتى من نفسه، عاهدت نفسها أن تقاوم إعاقته البصرية وان تصنع منه نموذجا تجسد به حمدها لله تعالى على طفل ملأ عليها حياتها وترك فيها شيئاً خاصاً.
ألحقته بإحدى المدارس الخاصة في الدولة، قضت ساعات ومازالت تقضي غيرها في تعليمه ليحرز نتائج متميزة، تصطحبه كل صباح إلى المدرسة وتستمتع بمشاركاته الهاتفية للإذاعة التي يهوى الاستماع إليها حتى بات مشهورا عند مستمعيها.
تطعمه بيديها، تصف له الأشياء وان لم يكن يوما يراها والدموع تملأ عينيها، تحتمل كل لحظة حرمان يشعر بها عندما يقارن نفسه بأقرانه وزملائه، تبكي في لحظات يغمر فيها الفرح قلبه على طفولة لا يهنأ بكل ما فيها، تجمع الدرهم على الدرهم لتشتري جهازا يعلمه شيئا جديدا أو لعبة تسلي خاطره رغم تكاليف هذا النوع من الأجهزة الباهظة التي تفوق قدراتهم كأسرة متواضعة الدخل، كل ذلك من اجل محب الذي رغم إعاقته البصرية إلا أنه محب للحياة، متأمل لأن يكون فيها شيئا عظيما.
إن كنا كأمهات نضيق ذرعا أو نتذمر أحيانا بسبب أطفالنا الذين لا ينقصهم أو يعيبهم شيء، فكيف بأم تتحمل كل مسؤولية، صغيرة أو كبيرة من ابنها الذي لا يملك الاعتماد على نفسه ولا تعرف كيف تعلمه ذلك. تراءت لنا هذه الفصول كلها وقت الإعلان عن مبادرة «نور دبي»، فتحدثت إلى نفسي قائلة إن محمدا وغيره ممن ولدوا مكفوفين لا رجاء في أن يبصروا، لكن هل يعني ذلك ألا تشرق شمس الأمل عليهم فتنير حياتهم وتزيح شيئا من همومهم؟
إن محمدا وغيره ليسوا بحاجة للعلاج بقدر حاجتهم لمن ينفق على تعليمهم وليصنع منهم رجالا لا يلغي البصر بصيرتهم ولا يفقدهم متعة الحياة والنفع فيها. فلمن لهؤلاء؟ ومن يخرجهم وأسرهم من ظلمات تزداد حلكة كلما عصفت بهم ظروف قاهرة؟ من منا مستعد لأن يمنح كفيفاً حياة ينيرها العلم والأمل فيكون ذلك أجزل الحمد على نعمة البصر التي لم يحرم إليها؟ نأمل أن يكون من بيننا كثيرون مستعدون للقيام بذلك كله وأكثر.
