مر الشكوى كان يشكوها الناس خلال السنوات الماضية من ظاهرة التسول التي كانت تزداد ـ تحديداً ـ خلال هذا الشهر بصورة أصبحت تزعج الناس ليس لضيق في نفوسهم أو لأنهم لا يحبون عمل الخير والتصدق على الفقراء والمحتاجين بل لأن الأمر فاق الحدود وأصبح أكثر من حاجة البعض إلى المساعدة واتخذ أشكالاً وصوراً عديدة تنم عن نفوس أضمرت وخططت للكسب السريع بلا عناء غير مبالية بما تخلفه من آثار سيئة على المجتمع والناس.
فئة استساغت مضايقة الآخرين في أوقات راحتهم في بيوتهم بعد الإفطار مباشرة وتعترض طريقهم عند مداخل المساجد ولا تتركهم يهنأون في ساعات تسوقهم بعرض روايات وقصص وهمية لا صحة لها، أصبحت مكررة ومعادة، حفظها الناس عن ظهر قلب.
السلطات لم تكن تقصر في ملاحقة هؤلاء وإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة، باعتبار التسول مخالفاً للقانون عندنا ـ وإن كان أمراً طبيعياً في بلدان كثيرة ـ لكن لم تكن كل تلك الجهود تفلح في كل الأحوال وتنجح في التصدي للظاهرة التي أخذت أبعاداً كثيرة وأصبحت مسيئة لمجتمع متحضر لم ولن يمتهن أحد من أهله التسول وتأبى عليه نفسه مهما تمكن منه الفقر والعوز والحاجة من الإقدام على ذلك.
ولعل الجميل في هذا الصدد هو ما أعلنته السلطات الأمنية على مستوى الدولة من شن حملات واسعة على المتسولين ومواجهة هذه الظاهرة بكل ما أوتيت من قوة، مؤكدة أنها لن تأخذهم بهم رأفة، لأنهم ببساطة ليسوا سوى فئة تأتي من بلدانها من أجل هذا العمل، فكم من طرائف وقصص أسفرت عنها حملات سابقة، تبين للسلطات كم الاستغلال الذي يستغله البعض عبر تأشيرات الزيارة وغيرها التي كانت تمنح فيما مضى لكل من هب ودب، وكم العبط الذي كان يسوقه البعض لتحقيق مآربه.
هذه الحملة التي نحسبها فاعلة وستؤتي ثمارها بشكل واسع وكبير خلال هذا الشهر وبعده، وستضع حداً لظاهرة وجد فيها البعض غايته مستغلاً طيب القلوب وسخاء النفوس هنا، وعدم رد أي سائل مهما كان في نفسه من أغراض،
سخاء يجب أن يكون له أبوابه الصحيحة وأوجهه السليمة، يصل عبرها الخير إلى أصحابه وإلى المستحقين فعلا والمحتاجين، من خلال المؤسسات الخيرية المعتمدة التي نثق في أدائها وأمانة القائمين عليها، وتطمئن قلوبنا إلى وصول ما تجود به أنفسنا إليهم من غير حاجة لاختلاق القصص والروايات، ومن دون الحاجة لإراقة ماء الوجه أو أذية المشاعر.
نحمد الله على اختفاء المتسولين من أسواقنا وأماكن العبادة وأصبحت الفرجان أيضاً آمنة من سلوك مرفوض وممارسات ليست بالضرورة أن تكون عواقبها سليمة في كل الأحوال.
