في زمن وجيز قفزت العلاقات الصينية ـ الإفريقية إلى مستوى غير مسبوق، لا تخطئه عين، بينما يواصل العرب إهمالهم المزمن للقارة السمراء، إما جهلا بأهميتها الاستراتيجية المتصاعدة، أو عجزا عن بناء علاقات متميزة مع دول ذات بينة اجتماعية معقدة، أو ميلا شبه فطري إلى الغرب ليكون المقصد الأول لاستثمارات العرب ووارداتهم المتنوعة.
مع أن هناك مجالات في إفريقيا وغيرها مفتوحة على مصراعيها أمام أي مستثمر جاد، ويمكن أن تدر عوائد أكبر مما يجنيه الاستثمار في الغرب. وفي نهاية المطاف أدى تراكم هذا التجاهل وذلك العجز إلى غياب التأثير العربي في إفريقيا، الأمر الذي انعكس على مواقف دولها من قضايانا في المحافل العالمية، على النقيض تماما مما كان سائدا في خمسينات وستينات القرن المنصرم، حيث ألهمت مصر العديد من الثورات الإفريقية.
وساعدت حركات الكفاح المسلح ضد الاستعمار الأجنبي، وباتت لها مكانة في قلب كل إفريقي، إلى درجة أن دول القارة السمراء كانت ترفض إقامة علاقات مع إسرائيل احتراما للإرادة العربية. أما الصين فقد واصلت بخطى ثابتة ومدروسة بعناية فائقة، تقدمها نحو بناء علاقات اقتصادية راسخة مع القارة السمراء، لتجرف في زحفها الواثق مصالح دول أوروبية تربطها بإفريقيا علاقات تاريخية متعددة.
والوثبة الأكبر للصين على الساحة الإفريقية تحققت منذ إنشاء «المنتدى الصيني ـ الإفريقي» عام 2000، فبعده حدثت طفرة لافتة في حجم التجارة البينية للطرفين، ليتجاوز حاجز العشرة مليارات دولار في العام المذكور، ويواصل تقدمه ليبلغ 12 مليار دولار عام 2002.
ثم 13 مليار في العام الذي يليه، ولم يلبث أن قطع خطوات واسعة ليصل إلى 7. 39 مليار دولار عام 2005، فيما يتوقع أن يتجاوز 50 مليار دولار بحلول نهاية العام الجاري، بعد أن كان لا يزيد عن 12 مليون دولار فقط قبل خمسين عاما.
وأسست الصين أكثر من 800 شركة في إفريقيا تدير استثمارات تصل قيمتها إلى 6 مليارات دولار، ووقعت اتفاقيات استثمار مع 28 دولة، دشنت بمقتضاها ما يربو على 900 مشروع تتوزع على قطاعات البناء والبتروكيمياويات والطاقة والثقافة والتعليم والصحة وتصنيع الأغذية.
وعلى التوازي زاد اعتماد الصين على القارة السمراء في الحصول على النفط الخام، لتستقدم 30% من احتياجاتها النفطية من السودان وأنجولا على وجه الخصوص، فيما يتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 45% في غضون السنوات القليلة المقبلة.
وتعتمد الصين في تعزيز علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع دول القارة الإفريقية على عدة مبادئ، أولها هو ترسيخ قيمة المساواة والمنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة. ففي مقابل الاستفادة من نفط إفريقيا وثرواتها المعدنية وأسواقها المفتوحة، قدمت الصين مساعدات اقتصادية ل53 دولة إفريقية، خلال نصف القرن الماضي.
وألغت ديونا بقيمة 9. 10 مليارات يوان (36. 1 مليار دولار أميركي) عن 31 دولة إفريقية. كما ألغت التعريفة الجمركية على 190 نوعا من المنتجات المصدرة من 29 دولة إفريقية، ودربت أكثر من 10 آلاف موظف إفريقي، في مختلف التخصصات.
أما المبدأ الثاني فهو عدم التدخل في شؤون الدول الإفريقية، على غرار ما تفعله بعض الدول الغربية التي تستخدم قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان كشروط لتقديم المساعدات والمعونات والاستثمارات. وتتكئ بكين في هذا على سمعة تاريخية ناصعة، إذ إنها لم تمارس الحكم الاستعماري للقارة السمراء، ولم تشارك في جريمة نهب ثرواتها وقدراتها واستعباد شعوبها ردحا طويلا من الزمن.
وتتوخي بكين الحذر في تصديرها السلاح إلى دول القارة، التي تحصل على نحو 10% من مبيعات الصين من هذه السلعة، حاذرة ألا تظهر في أي لحظة في موضع من يؤجج الصراعات الداخلية والحروب الأهلية والتمردات العسكرية في القارة.
والمبدأ الثالث فهو مراعاة احتياجات المواطنين الأفارقة لسلع رخيصة ومتنوعة وضرورية، من خلال الدراسة المتأنية للأسواق، ولأنماط الاستهلاك، والتركيبة الطبقية، والعادات والتقاليد والسلوك، ومنظومة القيم السائدة.
أما المبدأ الرابع هو المزاوجة بين إرضاء الأنظمة الحاكمة وعدم إغضاب الشعوب، فالزيارات الرسمية التي قام بها مسؤولون صينيون لدول إفريقية على مدار العقود الأخيرة، والتي وصلت إلى أكثر من 800 زيارة، تزامنت مع تأكيدات مستمرة لشعوب هذه الدول بأن علاقات بكين مع هذه الأنظمة ترمي في المقام الأول إلى تحقيق صالح الناس، ولا تشجع أي أعمال منافية لحقوق الإنسان والقانون الدولي.
ويعتمد المبدأ الخامس على تجنب الدخول في منافسة سافرة مع القوى الاقتصادية العالمية الكبرى، التي تزاحم الصين في القارة السمراء، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، التي أبدت اهتماما كبيرا بإفريقيا، بعد طول إهمال، حين اكتشفت أنها مكان واعد في مجال الطاقة.
ومن هنا حرصت الصين على تأكيد عدم استهداف الاجتماع الأخير للمنتدى الصيني ـ الإفريقي أي طرف أو قوة دولية، وتشديدها على أن هذا التجمع الدولي ليس له هدف سوى تحقيق الاستقرار وتأمين السلام، وبناء الشراكة الاستراتيجية، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في القارة السمراء.
وتعتمد الصين في هذا المضمار عامة على التغلغل الهادئ في أسواق إفريقيا ومفاصلها الاقتصادية والتجارية، بالتوازي مع تعزيز العلاقات السياسية البينية، والدفاع المدروس عن قضايا دول القارة في المحافل الدولية، وعن كفاحها المضني من أجل حيازة نظام اقتصادي وسياسي عالمي جديد، يجد فيه الأفارقة العدالة التي يتوقون إليها، ويعملون من أجلها، منذ زمن بعيد.
أما المبدأ السادس فهو التحلي بالرؤية الاستراتيجية العميقة، إذ تدرك الصين أن ارتقائها كقطب عالمي يحتاج إلى ركائز عدة في مقدمتها، الحصول على نصيب وافر من مصادر الطاقة، التي تمتلك القارة الإفريقية قدرا ملموسا منها، يتعزز بمرور السنوات.
فقد نما نصيب القارة السمراء من إجمالي النفط العالمي ليصبح 11% في العام المنصرم، في حين تتوقع الدراسات وصول هذه النسبة إلى 30% بحلول 2010، فضلا عن امتلاك إفريقيا حوالي 10% من إجمالي الاحتياطي العالمي. على هذه المبادئ تتقدم العلاقات الاقتصادية بين الصين ودول إفريقيا.
وتنتقل تدريجيا من اعتبار البلدان الإفريقية مجرد سوق رائجة لتصريف منتجات الصين الرخيصة والغزيرة إلى بناء صيغة من الشراكة في مجال التنمية، قد تعوض القارة السمراء عن جزء من خسائرها الفادحة خلال الحقبة الاستعمارية البغيضة، وتفيد الصين في سعيها الجاد الطموح إلى أن تصبح قطبا عالميا بارزا، يعيد التوازن المفقود إلى النظام الدولي الراهن.
كاتب وباحث مصري : ammaralhas@hotmail.com
