«ما هي التخصصات العلمية التي تنصحين الطلبة في الجامعات والمعاهد بعدم الالتحاق بها لعدم وجود طلب عليها من المؤسسات والشركات لتوظيف الخريجين من حملة تلك التخصصات؟»، بهذه الصيغة وجّه مذيع إحدى القنوات الإذاعية المحلية سؤاله إلى مسؤولة التوظيف في إحدى المؤسسات الاتحادية المتخصصة في تنمية الموارد البشرية، وإيجاد فرص العمل المناسبة لها.

أما الإجابة التي جاءت على لسان مسؤولة التوظيف، فأقطع يقينا بأنها لم تكن من مسؤولة في مؤسسة إماراتية أو عربية، بل من مسؤولة في مؤسسة بإحدى دول جنوب شرق آسيا أو أميركا اللاتينية أو ربما جزر واق الواق، فقد قالت المسؤولة ما معناه (لم أذكر الإجابة بنصها لأنها كانت بالعاميّة): «هناك نوعان من التخصصات العلمية التي لا نكاد نجد طلبا عليها من المؤسسات والشركات.

أو أن الطلب عليها معدوم تقريبا، ونواجه صعوبات كبيرة في إيجاد وظائف للخريجين من حملة الشهادات في هذين التخصصين، وأنصح الدارسين في الجامعات والمعاهد العليا من الجنسين بعدم التخصص فيهما.

وهما: اللغة العربية والتربية الإسلامية»، ثم سردت عددا من التخصصات التي وصفتها بارتفاع الطلب عليها، وبالطبع لم يكن من بينها أيضاً الطب والهندسة الصناعية والقانون والفلك والبيئة والزراعة وعلوم البحار والجيولوجيا والهندسة الإلكترونية هذا الاستسلام للواقع المعكوس يثير الانتباه إلى إشكاليات في غاية الخطورة.

الأولى أن الأمم اليوم من الصين كدولة عظمى إلى قبائل حوض الأمازون التي تتحدث لغات غير مكتوبة، لا تفهم حماية وجودها ووجود مستقبل أجيالها إلا من خلال حماية هوياتها وثقافاتها وإن كانت مندثرة أو لا تقدم للبشرية أي إضافة.

فما بال مجتمعنا الذي ينتمي إلى أعظم ثقافة أثرت الحضارة الإنسانية أيّما إثراء، تتناسل من أصلابه طوابير من أولئك الذين نسميهم «مسؤولين» وهم يتفننون بطريقة غير مسؤولة وباستخدام الوسائل الخفية والمعلنة في طمس هويتنا وتشويه ثقافتنا ومحو كل أثر لهما من ممارسات العمل اليومي حتى استشرى هذا الورم السرطاني في دواوين الحكومة من خلال الدأب على تدمير الوعاء الذي يحتضن تلكما الهوية والثقافة، وهما العربية والإسلام.

الثانية، أن مؤسساتنا - ومنها المؤسسة التي تنتمي لها المسؤولة المذكورة أعلاه - وهي تقوم أمام القيادات السياسية أو أمام المجتمع بالترويج لنفسها واستعراض منجزاتها البالونية (الضخمة في طنطنتها الإعلامية والصغيرة في مردودها الإنتاجي وإضافتها المجتمعية).

إنما تثبت يوما بعد يوم نفاقها وتملقها الإعلامي الذي تستغله بذكاء لتواري به سوءة إفلاسها المؤسسي والمنهجي، وبخلاف الحبر الذي كُتبت به مدوناتها من قبيل استكمال الإجراءات الرسمية. إلا أن مثل تلك المواقف تبشرنا بأن الخطط الاستراتيجية لمؤسساتنا ورؤاها للتحديات والمخاطر المستقبلية التي تتربص بالوطن لا تضع الهوية ضمن حساباتها أصلا بدلا من أن تضعها على رأس أولوياتها.

وبالتالي فإنه لا استشراف للفرص الكامنة على أرصفة ذلك المستقبل، ولا رسالة واضحة لاستثمار الهوية الخاصة دون النشوز من الإطار العام للهوية العربية والإسلامية، وأيضا لا برنامج عمل مرسوم بألوان تلك الهوية والثقافة ومخطط تخطيطا علميا وعمليا.

وموضوع وفق منهجيات مدروسة تجعله غنيا بالمبادرات الخلاقة لاستفزاز الطاقات وإبداع الحلول في سبيل الالتفاف على المشكلات ورتق الثقوب التي يمتلئ بها ثوب قوة العمل الإماراتية، وفوق ذلك كله تفتقر هذه المؤسسات إلى أدوات وممارسات فاعلة وآنيّة للمحاسبة والمساءلة التي تلزم أي موظف مواطنا كان أم غير مواطن فيها بالانتباه إلى مغبّة الانزلاق إلى مواطن الخلل والتلاعب والتقصير، وعلى رأسها ازدراء الهوية أو تهميشها.

الثالثة، أن بعض المسؤولين الذين يجلسون على قمة الهرم التنظيمي في بعض المؤسسات يمارسون أعمالهم وكأنهم كَتَبة أو من صغار الموظفين أو ممتهني الوظائف البسيطة، فأعينهم لا تكاد تفارق مساحة مكاتبهم المحدودة التي يعكفون عليها، وتفكيرهم لا يتجاوز الخطوط الإجرائية والمربعات المخصصة لترصيعها بتواقيعهم، ومسؤولياتهم مقيدة بحدود الزمن المقرر لساعات الدوام الرسمي.

أما الالتزام بالانتماء لهذه الهوية والإيمان بها، واستشعار المسؤولية الأخلاقية والتاريخية تجاهها، والوعي أو الحسّ الوطني بالتحديات المحدقة ببقاء المجتمع من خلال إذابتها، فكله مما لا يؤبه له، لأن شحنته في وجدان أولئك «المسؤولين» لا تعادل شحنة بطارية بقوة نصف فولت.

الرابعة، أن الجامعات والمعاهد العليا التي نصحت «المسؤولة» الدارسين فيها بعدم الاتجاه لدراسة اللغة العربية ولا التربية الإسلامية، وهي التي ظننا أنها ستبقى آخر القلاع التي ستحتمي بها اللغة العربية والتربية الإسلامية طلبا للنجاة والمناصرة، أود أن أطمئن تلك المسؤولة بأن بهذه القلاع قد دكت أسوارها واخترقت أروقتها وأجريت لها عملية غسيل للمبادئ والسياسات حل فيها الدم الأزرق محل آخر قطرة من الدم الأحمر.

الخامسة، إذا لم يكن لخريج متخصص في اللغة العربية مكان أو وظيفة في مجالات مثل: التدريس في المعاهد الخاصة ولا سيما تعليم اللغة العربية أو التدريب على تقوية مستوى استخدامها، والترجمة التخصصية المقروءة والمسموعة، وتصحيح صياغات الاتفاقيات والعقود، واشتقاق أسماء العلامات التجارية المميزة للمنتجات من السلع والخدمات، وصياغة التقارير والمراسلات والنشرات والمواد الإعلانية بلغة أنيقة وخالية من الكسور والركاكة.

وأيضا، إذا لم يكن لخريج متخصص في التربية أو الشريعة الإسلامية مكان أو وظيفة في مجالات مثل: إعداد البرامج والفقرات الدينية الإذاعية والمتلفزة المتخصصة، وإعداد البحوث والتقارير والدراسات التخصصية، وتدريس التربية الإسلامية، وتقديم المواد والآراء الفقهية والإرشاد الديني في المسائل الاجتماعية والشخصية والاقتصادية.

ترى من أين ستأتي المؤسسات الإعلامية والإعلانية والمدارس والمعاهد الخاصة وبيوتات التدريب ومراكز البحوث ومكاتب المحاماة والاستشارات القانونية والمصارف الإسلامية وشركات التأمين الإسلامي وحتى الشركات والمؤسسات التجارية بجيوش الموظفين الشديدي الضرورة بمن يزودها بتلك الخدمات التي لا غنى لها أو للمجتمع عنها؟ وإذا استدعى ذلك تأهيل هؤلاء الخريجين تأهيلا مهنيا إضافيا من خلال بعض الدورات التدريبية، فما هي وظيفة تلك المؤسسة إذن إن لم تقم هي بذلك؟.

السادسة، عندما تستسلم هذه المؤسسة لهذه العقلية الكسولة، ما هي إذن مؤشرات نجاحها ونجاح الطاقم الذي يدير دفة الأمور فيها بخبرائه ومستشاريه إذا لم يبادر إلى البحث عن الحلول وابتكار الفرص لهؤلاء الخريجين بدلا من اغتيال وطنيتهم وإحباط طموحهم المسكون بعشق هويتهم وثقافتهم وانتمائهم رغم كل إغراءات الرواتب والمناصب والشهرة التي تغلف في العادة الكثير من الوظائف التي تملأ جيوب شاغليها، ولا يجد الوطن منها إلا سقط المتاع.

كاتب إماراتي : akhalil@dcigroup.ae