أغلب الظن أن اعتراف الاتحاد الروسي بأوسيتيا وأبخازيا كدولتين مستقلتين عن جورجيا يعني عملياً عودة الحرب الباردة وقيامها من جديد بعد أن تخلص العالم من تلك الحرب نحو عقدين تقريباً من الزمن عقب انهيار الاتحاد السوفييتي! .

وشهد العالم خلال هذين العقدين نظاماً أحادي القطب تمثله الولايات المتحدة الأميركية، وقد ترافق مع ذلك شيوع نمط الاقتصاد الأميركي الرأسمالي المبني على الفلسفة الليبرالية الداعية إلى المشروع الفردي الحر والأسواق المفتوحة والتنافس التجاري الذي يفضي إلى تشابك العلاقات بين الأمم.

وجرت تحولات سياسية عديدة في هذه الفترة لعل أبرزها تحول دول أوروبا الشرقية إلى النظام الديمقراطي، ولم يقتصر هذا التحول الديمقراطي، على تلك المنطقة بل تعداها إلى «حديقة أميركا الخلفية» وهي دول أميركا اللاتينية والكثير من الدول الآسيوية والإفريقية، والقليل - بل وأقل القليل - من الدول العربية!

وكانت هذه فرصة جيدة كي ينعم العالم بسلام دائم على الصعيد العالمي، يوفر من خلاله نفقات التسلح الباهظة التي نأت بكلكله طوال سنوات الحرب الباردة، وليوجه تلك النفقات صوب التنمية وحل مشكلات العالم المستحدثة، من قبيل مشكلات البيئة والاحتباس الحراري والفقر والقضاء على بعض الأمراض المستشرية كالإيدز وغيرها.

وكان يمكن التخلص من البقية الباقية من الأنظمة المستبدة التي كانت تعتاش على الحرب الباردة واللعب على متناقضات المعسكرين! باختصار، كان يمكن أن يخلق البشر في ذينك العقدين «نظاماً عالمياً جديداً» بحق! غير أن ما حدث على أرض الواقع كان مخالفاً لذلك، فقد كان السلام سلاماً أميركياً بكل المواصفات والمقاييس.

وبدلاً من أن يتقوض حلف شمال الأطلسي الناتو لانتفاء مبرر وجوده إثر تهاوي حلف وارسو وتلاشيه، فقد تقوى هذا الحلف، لا بل ومد نفوذه في الدول التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي كدول البلطيق وأوكرانيا وغيرها، أو كانت حليفاً لها كبولندا وبقية دول شرق أوروبا! ثم تفتت يوغسلافيا وكانت حرب البلقان المرعبة،

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وتفتت أقاليم من صربيا ذاتها ككوسوفو لتستقل بذاتها، واعتبرت دولاً وكان أول المعترفين بها الولايات المتحدة الأميركية! وفوق هذا وذاك، عمدت الولايات المتحدة إلى سياسية «إذلال» لروسيا المنهارة وكانت آخر سلسلة أعمالها الاستفزازية نصب صواريخ في بولندا!

أظن أن الشعب الروسي، الذي شعر بالذل من بيع غورباشوف ويليتسن لأمته ذات التاريخ العظيم، والذي شعر بالإذلال تلو الآخر خلال العقدين المنصرمين قال أخيراً بالروسية مترجمة إلى الأميركية :enough is enough ! وهكذا بدأت صفحة جديدة من التاريخ! بل ربما هي في واقع الأمر تكرار لما جرى عبر التاريخ من تنافس محموم (حرب باردة) بين القوى الكبرى كان ينتهي في غالب الأحوال إلى حرب فعلية.

ولا شك أن الحرب الجديدة تأتي في عالم مختلف كل الاختلاف عن سابقه، فقد اندلعت تلك وسط تنافس «أيديولوجي» واضح بين نظامين مختلفين، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. أما عالم اليوم فهو يتسم بنشوء تكتلات سياسية جديدة، وببروز قوى عالمية لم يكن لها شأن في السابق، وبتغير في التيار السياسي العام في دول عديدة وبخفوت للجانب الأيديولوجي في الصراع .

وقد تكون وحدة الدول الأوربية المتمثلة بالاتحاد الأوروبي هي أكبر تلك التكتلات التي ظهرت في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي القديم، هذه الوحدة التي بدأت من مجموعة قليلة من دول أوروبا الغربية في «عز الحرب الباردة» سرعان ما توسعت لتضم كل تلك الدول التي كانت تنتمي إلى كتلة الدول الاشتراكية مضافاً إليها دول البلطيق الثلاثة.

فضلاً عن اليونان وبعض أشلاء يوغسلافيا السابقة. وتحاول تركيا جاهدة دخول هذا الاتحاد لتكون جسراً بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي. ولا شك أن هذه الكتلة لها مصالحها الذاتية ورؤاها الخاصة في حل بعض من أعقد المشكلات التي تواجه البشرية وعلى رأسها التغير المناخي والاحتباس الحراري. وليست كل دول هذا الاتحاد (بالذات ألمانيا وفرنسا) على وفاق تام مع وجهة النظر الأميركية، فضلاً عن نمو علاقاتها الاقتصادية مع روسيا بالذات في مجال الطاقة.

ولعل التغير الآخر في المشهد السياسي في الحرب الباردة الجديدة هو فوز «اليسار» وهيمنته على «شارع» أميركا اللاتينية، منطقة نفوذ الولايات المتحدة الأميركية التقليدية، وكلنا قد سمع وقرأ عن تاريخ أميركا اللاتينية الدموي والتدخلات الأميركية فيه.

ومن المفارقات أن تنمو قوة اليسار في هذه القارة المعزولة نسبياً، وأن تخبو تلك «القوة» في عقر دارها - روسيا وما جاورها - ليحل مكانها شعور قومي «شيفوني» كانت أبرز تجلياته حرب البلقان الدموية، والحروب التي تندلع هنا وهناك في القوقاز! وسينام فيدل كاسترو في قبره «قرير العين «لأنه خلف في محيطه أكثر من «هوغو شافيز» ليواصلوا «مناوشاتهم» لجارتهم الكبرى أميركا!

أما الفائز الأكبر من الحرب الباردة الجديدة التي ستستعر أوارها بين الولايات المتحدة وروسيا فهي الصين، التي تحقق نجاحات اقتصادية باهرة في جو هادئ بعيد عن «صخب» التنافس السياسي وتقاسم مناطق النفوذ! غير أن تفوقها الاقتصادي سيصدمها بالضرورة بالمصالح الاقتصادية للدول الأخرى وعلى رأسها الولايات المتحدة إن عاجلاً أو آجلاً!.

كاتب كويتي : alyusefi@hotmail.com