صرخة الإدانة التي أطلقتها في غزة لورين بوث، تزعج إسرائيل؛ أكثر من أي بيان أو تصريح سياسي رسمي. فهي شقيقة زوجة رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير. لكنها مواطنة عادية، لا صفة رسمية لها. لذا فإن صوتها يستوقف المواطن الغربي، وبالذات البريطاني، العادي؛ ويهز الصورة النمطية المزيفة، التي زرعتها إسرائيل في عقله.

وهي صورة بذلت إسرائيل جهوداً كبيرة وعقوداً طويلة لترسيخها؛ لتكون المتكأ لها في الترويج لسياساتها وبما يضمن وقوف الحكومات الغربية إلى جانبها ومن دون تحفظ أو تردّد؛ ناهيك بالسخاء عليها بالمساعدات وبجميع أشكال الدعم والحماية.

فعندما تقول لورين بوث أن إسرائيل حوّلت «غزة إلى أكبر سجن على وجه الأرض»، في ضوء مشاهدتها العينية لما يحصل في القطاع؛ فإنها تكون قد لامست العصب الإسرائيلي الحساس. المؤذي لتل أبيب أن هذه التهمة صادرة عن مواطنة من بلد تحسبه في عداد أهل البيت. دحضها أو تصنيف صاحبتها في خانة المعادية للسامية، كما دأبت عليه في مثل هذه الحالات، ليس بالأمر السهل.

ويزيد الطين بلّة، أن الإدانة هذه جاءت في إطار مبادرة ميدانية؛ حظيت بكثير من الأضواء وعلى امتداد عدة أيام؛ قام بها نشطاء دوليون؛ قدموا عن طريق البحر إلى غزة، تحت عنوان «كسر الحصار» الإسرائيلي عليها.

وخلال الجولة التضامنية، سجلوا العديد من الملاحظات عن معاناة المليون ونصف المليون فلسطيني المحاصرين هناك. كما أبدوا بالغ التعاطف مع قضيتهم. عقاباً على ذلك، وتعبيراً عن مدى الانزعاج، رفضت السلطات الإسرائيلية السماح للورين بوث، مغادرة غزة عن طريق معبر ايريز. منع ردّت عليه الناشطة، بالمزيد من التشبث بموقفها وعدم التراجع عنه. بل بالإصرار على مواصلة مشاركتها في أي نشاط يرمي إلى رفع الحصار عن غزة.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تبدي فيها إسرائيل انزعاجها من مثل هذه الأصوات وأصحابها. وبالتحديد الغربيون منهم. فهذا تحسبه مساً برأسمال، هو، بالنسبة إليها، بمثابة الأكسيجين للرئة. لا تتسامح بخصوصه مع أحد. خاضت معارك إعلامية وسياسية حاسمة مع من ظهرت عليه عوارض ضعف الدعم لها.

ناهيك بمن تجرأ وكسر عصا الطاعة وخرج عن الصمت في اعتراضه على سياساتها، أو على تأييد بلاده المطلق لها. عدد من رجال الكونغرس الأميركي، في الثمانينات والتسعينات، واجهوا مثل هذه المعارك ودفعوا ثمنها. كل ذلك، ومعاقبة هذه السيّدة لن تكون الأخيرة، يشير بأن مثل هذه الاختراقات في جبهة مؤيديها في الغرب؛ موجعة ومؤثرة.

تأكل من الصورة التي عملت ماكينتها الدعائية على لصقها في أذهان الرأي العام الغربي، النصير الأكبر والأقوى لها؛ والتي ترسمها على أنها «الحمل» المسكين في المنطقة والمحاط بالأعداء من كل صوب. إدانة بوث، خميرتها في الغرب وغيره؛ موجودة. المطلوب العمل على تظهيرها واحتضانها. بل على ما يساعد على تناسلها وتشجيع تفريخها.