يعيش العالم منذ أسابيع على إيقاع »الساعة« الروسية. كان الغربيون بأغلبيتهم قد نسوا حتى أن هذه الساعة موجودة أصلا بعد خروج روسيا »مهشّمة« من الحرب الباردة. وتميّزت فترة حكم بوريس يلتسين، أوّل رئيس لروسيا »الحرّة« بعد التخلّص من »نير الشيوعية« بـ»طلب الصفح والغفران« ومحاولة »التغريد« مع السرب الغربي.

هذا كلّه أصبح من »متاع الماضي« بعد أن قررت روسيا أن »تقلب الطاولة« وتخلط أوراق اللعبة الدولية عبر الرد المباشر والفوري والعنيف الذي واجهت فيه الهجوم العسكري الجورجي على أوسيتيا الجنوبية بتاريخ 8 أغسطس الماضي. ثمّ صعّدت الرد عندما اعترفت باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا التي تعتبرهما جورجيا، والغرب، جزءا لا يتجزأ من التراب الجيورجي.

ارتفعت الأصوات الغربية فوريا أمام ذلك الإعلان عن الاستقلال المدعوم، وبدون شك »المطبوخ«، من قبل روسيا. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اعتبراه عملا استفزازيا؛ ووصفته المستشارة الألمانية انجيلا ميركل أنه »قرار غير مقبول«.

وأعلنت فرنسا التي تتولى رئاسة الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي في تصريح رسمي»إننا نذكّر الجميع بتمسكنا بوحدة أراضي جورجيا« وزايدت لندن قائلة: »إن روسيا لم تفعل أي شيء من أجل تحسين آفاق السلام في القوقاز«. هذه هي بعض »العينات« من ردود الأفعال الغربية المباشرة على »اعتراف« موسكو باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. وعليها كلّها ردّ الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف بالقول:»لا أخاف من شيء، ولا حتّى من حرب باردة«.

لكن، ورغم التصريحات الملتهبة بكل الاتجاهات وصولا إلى تحذير ميخائيل غورباتشوف، آخر الرؤساء السوفييت، من »تنامي التهديد بكارثة عالمية«، ورغم قرار موسكو »تقليص« علاقاتها مع الحلف الأطلسي ورغم وضع »المواجهة« بين السفن الحربية الروسية والأميركية في البحر الأسود، رغم هذا كلّه ليس هناك ما »يحاكي« الحرب الباردة التي كانت قائمة بين الغرب والشرق في ظل الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين:اشتراكي ورأسمالي.

السياق الدولي كلّه قد تغير تماما. وروسيا اعتنقت »الطريق الرأسمالي نحو التحديث« بـ»نسخة روسية«. وغدت بوضوح بلدا رأسماليا »صاعدا« تبنّى قواعد »لعبة السوق« يحقق منذ سنوات نموّا اقتصاديا هاما »يُشار له بالبنان«.

مشكلة الغربيين أنهم يقعون غالبا في »الأفخاخ« التي ينصبونها؛ أو على الأقل تتسم مواقفهم بقدر من الانتقائية ينافي المنطق البسيط أحيانا. إذ كيف يمكن فهم تأييدهم لاستقلال كوسوفو قبل أشهر قليلة، باسم حق الشعوب بتقرير مصيرها، ثم ينفجرون غضبا حيال إعلان أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا لاستقلالهما. ؟!.للتذكير كانت روسيا قد عارضت بقوة استقلال كوسوفو مشيرة لمؤيديه، بمعنى ما، أن »من يزرع الريح يحصد العاصفة«.

وليس من الخطأ القول الذي يتكرر اليوم على لسان كُثر أن موسكو»تثأر« بكل بساطة من استخفاف الغربيين برأيها حيال كوسوفو. ومشكلة الغربيين أيضا أنهم ديمقراطيون »على كيفهم«. هكذا أظهروا الكثير من التودد والتعاطف »اللفظي« حيال روسيا عندما كانت ضعيفة مهلهلة تابعة بالصيغة التي كانت عليها عند انهيار الاتحاد السوفييتي.

لكنهم لم يكتفوا واقعيا بعدم مساعدتها آنذاك من أجل أن تقف على قدميها بعد سقوط معسكرها. لكنهم تعاملوا معها بقدر كبير من التعالي ..بل والازدراء . لقد حاولوا »قصقصة« أجنحتها وإرهاقها والحصول على ثرواتها الطبيعية بـ »أبخس« الأثمان مستفيدين بذلك من وجود »صديقهم« بوريس يلتسين و»شلّة المتحلّقين «حوله على رأس مقاليد الدولة طيلة سنوات التسعينات تقريبا؛ ودائما باسم الديمقراطية.

كان الغربيون، والأميركيون خاصة، اعتقدوا أن ساعة حصار روسيا قد حانت بحيث »يكممون أنفاسها« ولا تستطيع التنفّس إلا من »رئتهم«. هكذا أصبحت شواطئ البحر الأسود هي جزء من الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي، وأيضا وخاصة للحلف الأطلسي. ولم يتم الاكتفاء بذلك فأوكرانيا وجورجيا كانتا تهمّان للدخول إلى الحلف الأطلسي بدعم أميركي لا يكل ولا يمل. للتذكير مرّة أخرى كان الغربيون قد تجاهلوا تماما أثناء فترة »الوهن الروسي« ما بعد السوفييتي كل المطالب السوفييتية لـ»الاندماج« في إطار الأسرة الأوروبية ـ الأطلسية.

واليوم ترتفع الأصوات من مسؤولين رسميين غربيين على أعلى المستويات ومن مؤتمرات أوروبية وأطلسية مشيرة بأصابع الاتهام إلى روسيا التي »تتحدّى الغرب« عبر غزو قواتها لجورجيا وعبر اعترافها باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

مثل هذه الرؤية الغربية، بصيغتها المطروحة، تشكل »تبسيطا مخلاّ« للواقع الذي لا تريد أن تراه سوى من منظور »انتقائي« يتماشى مع مصالحها، لكنه منظور مبتور وقاصر.

إن المسألة، كما تدل مؤشرات عديدة، أبعد من أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وجورجيا والقوقاز كلّه. إنها تتعلق بتغيير جدّي وجذري في التوجهات السياسية الخارجية الروسية أولا وأساسا حيال الولايات المتحدة التي كان قد تكرر الحديث ـــ و»التوقيع« ـــ معها في الأمس القريب عن »شراكات إستراتيجية«.

ربما كان التحوّل الأول »ذو الدلالة« هو الموقف الذي اتخذته روسيا قبل الحرب الأميركية ـــ الانجليزية ضد العراق في ربيع عام 2003 . مثّل ذلك الموقف آنذاك »اقترابا« من الرفض الفرنسي ــــ الألماني للحرب و»ابتعادا« عن الإصرار الأميركي عليها.

وتتالت بعد ذلك المواقف الروسية »المتباينة« عن النهج الغربي عامة والأميركي خاصة حيال العراق وفرض عقوبات دولية على إيران ونشر شبكات رادارات أميركية في أوروبا واستقلال كوسوفو.

ولعل التحوّل الأكبر و»الأخطر« يتمثل في تحالف روسي ـ صيني يلوح في الأفق »ربما« ضمن منظور إيجاد » كتلة« من الدول لمواجهة الهيمنة الأميركية . »معاهدة شنغهاي« يمكن أن تكون الصيغة الجنينية لمثل هذه الكتلة.

في مثل هذا السياق يمكن اعتبار اعتراف روسيا باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا مجرّد »خطوة صغيرة« على »طريق إستراتيجي طويل«. وطريق قد يشهد الكثير من التطورات والتحالفات »المفاجئة«. ومن يستطيع أن يستبعد »تماما«، على سبيل المثال، احتمال أن تميل بعض الدول الأوروبية »العريقة« إلى تبنّي سياسة تذهب في منظور السعي لإيجاد »ثقل موازن« للنفوذ الأميركي المتعاظم ؟؟.

ما يمكن قوله اليوم هو أن أصواتاً أوروبية عديدة تطالب بـ»تبنّي سلوك متوازن« حيال روسيا. وما يمكن قوله أيضا هو أن ما فجّرته أزمة أوسيتيا الصغيرة يتجاوز كثيرا إطار الحرب الباردة بـ»نسختها« القديمة. ولعلّه يمكن القول إن مستقبل المشهد الإستراتيجي العالمي تتحدد معالمه في جبال القوقاز...وعلى أرض العراق.

لكن ما يمكن تأكيده فهو أن ما يجري اليوم من »تشنجات« روسية ـــ أميركية ـــ أوروبية يستحق التمعّن ...من الجميع ومن أجل المستقبل.

كاتب سوري ـــ باريس

[mohaklouf@yahoo.fr]