لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق استقراره اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا إلا من خلال استقرار الأسر والأفراد فيه، ذلك أن الأسر والأفراد هم مقومات أي مجتمع ودعامته، وأية ظروف تؤثر فيهم فلابد وان تنعكس على المجتمع. ولإيماننا بأهمية الأسرة بالنسبة لأي مجتمع فلابد من الالتفات إلى الظروف الراهنة التي ترزح تحتها الأسرة في دولة الإمارات بشكل عام، مواطنة كانت أو مقيمة في ظل الغلاء الذي اكتسح العالم كله دون استثناء.

لو نظرنا إلى احتياجات الأسرة اليوم نجد أنها لا تخرج عن مسكن، غذاء، كسوة، وتعليم وصحة، وهذه الاحتياجات رغم أنها أساسية بالدرجة الأولى في القرن الواحد والعشرين إلا أنها لم تسلم من نار الغلاء التي اكتسحتها وجلدت الأفراد فيها دون رحمة.

فالعقارات وما يتبعها من أسعار مساكن وإيجارات، أصبحت تستنزف أكثر من 60% من الميزانية، الأغذية والاحتياجات ذات الصلة بها أصبحت تستنزف أكثر من 20% من دخل الأسرة أو الفرد، هذا بالإضافة إلى مصاريف أخرى أصبحت الأسرة اليوم تدفعها لمصاريف دراسية وصحية واحتياجات أخرى لا غنى لأي منزل عنها.

هذا الوضع جعل الأسر تعيش تحت وطأة ظروف اقتصادية ضاغطة، أثرت على الحالة النفسية لأفرادها وانعكست بالتالي على البنية الاجتماعية التي أصبحت تفتقر إلى الحميمية والدفء في علاقاتها، فالقلق أصبح مخيما على محدودي الدخل الذين يشكلون الأغلبية.

وانتقل هذا الوضع إلى من لم يكّونوا أسرا بعد ولم يدخلوا عش الحياة الزوجية بعد، فهؤلاء أصبحوا يخشون التقدم خطوة نحو حياة مثقلة بمسؤوليات يجدون أنفسهم عاجزين عنها، فباتت الأجواء العامة في الأسر كئيبة، مشوبة بالخوف والقلق على الحاضر والمستقبل لدرجة أصبحنا نشعر فيها بأن الغلاء بدأ ينتزع السعادة من المنازل ويحل محلها الحزن واليأس.

لا نبالغ فيما نصفه أو فيما نقوله فالواحد منا لا يهنأ له بال إذا لم يكن قادرا على إطعام أبنائه وتوفير مستلزماتهم الضرورية في مسكن خاص يغلفهم فيه الحب والدفء الأسري، فكيف نتوقع منه بالتالي فرحا أوعطاء من القلب وهو يعجز أحيانا عن توفير قوت يومه أو دفع قسط إيجار منزله؟

إن كان ذلك هو حال بعض الأسر الإماراتية إن لم يكن أكثرها ممن نزحت من الطبقة المتوسطة إلى الفقيرة، فلننظر إلى حال المقيمين، فقد جلب غالبيتهم أسرهم لتقيم بالقرب منهم، وحتى سنوات مضت كانت الأحوال بالنسبة إليهم جيدة وقادرة على دفعهم للإنتاج وللحلم بمستقبل أفضل.

لكن الواقع الذي أصبحوا يخضعون له في الدولة تحت سطوة الغلاء دفع العديد منهم لترحيل أسرهم، ما جعل المجتمع يتحول إلى مجتمع أعزب. فالواحد منهم لم يعد قادرا على دفع إيجار شقة سكنية، ولا رسوم دراسية أو صحية، والأكثر أن اللقمة التي يطعمها أبناءه أصبح سعرها يفوق تلك اللقمة في بلده بعدد من المرات.

هذه المؤشرات التي نتحدث عنها إن لم نكن مبالغين تساهم في هدم البنية الاجتماعية في الدولة التي ندعو إلى تعزيزها، بل وتحول حياة الأسر إلى حياة قلقة غير مستقرة، نخشى انعكاسها بالتالي على المجتمع بأكمله من خلال زيادة الجرائم والسرقات وحوادث الاغتصاب نتيجة هذا التحول.

ندرك أن الغلاء ليس حصريا على الإمارات، لكننا في الوقت نفسه ندرك أن الخير الذي يغمر الدولة لابد من تفعيله والاستثمار فيه للحفاظ على البنية الاجتماعية في الوقت الحاضر والمستقبل أيضا، فإذا كان الناس في الإمارات قد عانوا من الفقر قبل النفط والاتحاد وحافظوا على بنية الدولة الاجتماعية متماسكة، فلا ينبغي أن يكون تنامي الثروات وما نتج عنه من غلاء سببا للفتك بهم وتفككهم اجتماعيا في ظل الاتحاد ووفرة النفط.

maysaghadeer@yahoo.come