ظاهرياً تبدو الأزمة المتفاعلة بين روسيا من ناحية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من ناحية أخرى، بشأن جورجيا وكأنها تفجرت على نحو فجائي. لكن الغزو الروسي المفاجئ لجورجيا ليس في الحقيقة سوى ذروة في حالة توتر متنامية.
قبل نحو شهر من تفجر الأزمة كتب ديمتري روغوزين سفير روسيا لدى منظمة الحلف الأطلسي «ناتو» ومقرها بروكسل، مقالة نشرت في صحيفة «هيرالد تربيون» الأميركية تحدث فيها عن التوسع في الحلف بما يسمح بانضمام دولتين مجاورتين لروسيا هما أوكرانيا وجورجيا.
بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وزوال الاتحاد السوفييتي، كان المنطق النظري يفيد بأن أسباب المواجهة بين روسيا والغرب قد تلاشت. لكن السفير روغوزين يقول إنه عوضاً عن ذلك، قام الحزب بتدشين عهد عدائي جديد ضد روسيا مستغلاً ضعفها لتحريض دول مجاورة ضدها.. بدءاً من أوكرانيا وجورجيا. ويقول السفير إن مؤتمر قمة ناتو الذي عقد في أبريل في بخارست، تبنى وثيقة تتضمن قبول عضوية هاتين الدولتين بصورة مبدئية.
«روسيا وناتو ليسا عدوين وإنما هما شريكان». هذا هو أحد المبادئ الرئيسية التي تبنتها قيادة ناتو بعد زوال الاتحاد السوفييتي. ولكن السفير روغوزين يشير إلى أن ما يعلنه ناتو شيء وما يفعله على أرض الواقع شيء مختلف تماماً.
التطورات المتلاحقة في أفق العلاقات الغربية مع روسيا، لا تفيد إلا بصحة هذا الاتهام. فمع استقطاب أوكرانيا وجورجيا لتوسيع نطاق العداء الغربي لروسيا، استقطب الغرب أيضاً بولندا وتشيكيا واستونيا. ويبرز في هذا الصدد بصفة خاصة المشروع الأميركي لنشر قواعد لمنظومة صواريخ طويلة المدى في كل من بولندا وتشيكيا.
تقول واشنطن وتكرر القول بأن هذه المنظومة ليست موجهة ضد روسيا وإنما هي ذات طابع دفاعي صرف لحماية الغرب وروسيا نفسها من «دول مارقة» كإيران.
وسخر السفير روغوزين من هذا التبرير معتبرا أنه «نكتة سخيفة».
ما مغزى هذا كله؟ المغزي هو أن عداء الغرب للاتحاد السوفييتي الشيوعي تحول إلى عداء مماثل لروسيا القومية.
الحرب الباردة إذن لم تنته، وإنما اتخدت شكلاً جديداً.