حرص أولمرت في لقائه الأخير مع عباس على التوصل لـ "اتفاق إطار" مع الطرف الفلسطيني يدخل من خلاله بوابة التاريخ قبل استقالته الوشيكة المرتقبة وحلول خليفة له. هذا الاتفاق لا يخلو من إيجابيات قد لا تتحقق بسهولة في ظروف المفاوضات العادية تتعلق بأساسيات الدولة الفلسطينية، لكنه يترك قضايا الوضع النهائي للقدس - وهي الأكثر حساسية - في دائرة الغموض مما حدا بالطرف الفلسطيني إلى رفضه مباشرة.

عملياً، أولمرت في سباق مع الزمن ويحاول بعرضه ذلك دخول التاريخ وتسجيل مكسب سياسي يحسب له مستقبلاً، ويدرك تماماً أنه لن يخسر شيئا بعرضه مثل ذلك الاتفاق على عباس رغم معارضة ليفني وإيهود باراك، فإن قبل عباس عرضه حقق - ولو نظرياً - ما تمنته الإدارة الأمريكية بالتوصل إلى اتفاق شامل قبل نهاية ولاية بوش، وتحقق له ما أراد داخل إسرائيل وخارجها، وإن لم يقبل الطرف الفلسطيني عرضه - وهو ما أعلن عنه - فإنه بذلك يكون قد ألقى بالكرة في الملعب الفلسطيني وظهر بمظهر الباحث عن السلام حتى اللحظات الأخيرة من سلطته كرئيس للوزراء.

لا شك أن الهوة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ما زالت شاسعة، وأن تأجيل مسألة الوضع النهائي للقدس في المرحلة الحالية ليس في الصالح الفلسطيني، لكن أي اتفاق في هذه المرحلة سيحظى بالدعم الأمريكي وسيضطر خليفة أولمرت إلى مجاراة واشنطن وعدم الظهور بمظهر المعادي للسلام هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية نجد أن مثل هذا العرض لا يختلف كثيراً عن العرض الذي قدمه باراك عام 2000 ولم يقبل حينها، فما الذي تتحقق منذ ذلك التاريخ حتى الآن؟

ينبغي التأكيد هنا على أننا لا ندعو الطرف الفلسطيني إلى قبول العرض الإسرائيلي دون تحفظ ودون دراسة، لكننا في الوقت ذاته نرى أن رفضه بالكلية مباشرة ليس في الصالح الفلسطيني العام فهو بالتأكيد لا يخلو من إيجابيات قد يطول تحقيقها في الظروف العادية، وعرض كهذا يحتاج لمهلة زمنية لدراسته دراسة متأنية وموازنته قبل التسرع في رفضه.

فإن اتضح أنه لا ينبني على أية مكاسب تذكر للطرف الفلسطيني وأنه مجرد طعم لابتلاع القدس فيرفض في حينها أو تدخل عليه تعديلات جوهرية تضمن للطرف الفلسطيني حقه الشرعي والديني في الوضع النهائي للقدس، وبهذا يسحب الطرف الفلسطيني البساط من تحت أقدام أولمرت الذي يحاول الظهور بمظهر البطل المحب للسلام، ويرمي الكرة مرة أخرى في الملعب الإسرائيلي.