الصراع في القوقاز فتح الباب أمام احتمالات كثيرة في ما يخص الخلافات المستعرة على ساحة العلاقات الدولية، لكنه كشف أيضا بعض الجوانب الخفية لأدوار خطيرة تتبادلها مجموعات ضغط يرتبط بعضها بالولايات المتحدة الأميركية لكن أيضا بالدولة الإسرائيلية.

ويبدو من خلال المعلومات التي بدأت تتكشّف تباعا، بأن ما أشار إليه بعض السياسيين والمراقبين مؤخرا حول التورط الإسرائيلي في القوقاز، لم ينبع من الانتماء الإيديولوجي لهؤلاء أو من كره مزمن يكمن في نفوسهم حيال الدولة العبرية، بل من معطيات واقعية وقائمة سأشير إلى بعضها، محاولا حصر البحث في إطاره الموضوعي.

لا شك بأن الارتباط بين جمهورية جورجيا ودولة إسرائيل هو قائم بشكل وثيق منذ زمن بعيد، وهو ما تؤكده سلسلة الوثائق الرسمية الصادرة عن كلا البلدين، حيث يتوزع ذلك على مجموعة من محاور التعاون ذات الطابع الاقتصادي أو العسكري.

وتلعب الجالية اليهودية المتنفّذة في دوائر صنع القرار في جورجيا دورا بارزا في تعزيز ذلك التعاون، مستغلّة وجود عدد كبير من أبنائها في إسرائيل حيث يعيشون وينشطون في دوائرها الاقتصادية والتجارية.

إضافة إلى وجود رغبة جامحة لدى القيادة الجورجية للتقرب من الإدارة الأميركية الحالية حتى لو اقتضى الأمر أن تكون بمثابة دمية تحركها هذه الإدارة وفق مقتضيات مصالحها الدولية. ولعلّ أبرز ما تناهى إلى مسامع المراقبين أو المحللين السياسيين في هذا السياق، هو ما يخص التعاون القائم بين الجانبين على صعيد التدريب العسكري والدعم اللوجستي بشتى أشكاله.

لا بل أن بعض المعلومات الإسرائيلية لم تتردد حتى بالإشارة إلى مشاركة ميدانية لبعض المستشارين والضباط العسكريين الإسرائيليين في الهجوم الذي شنّه الجيش الجورجي على إقليم جنوب أوسيتيا في الثامن من أغسطس، أي ذلك الهجوم الذي أطلق شرارة الحرب الأخيرة.

هذا على الأقل ما ذكره موقع (ديبكا فايلز) الإسرائيلي المعروف بقربه من دوائر المخابرات العسكرية الإسرائيلية، الذي لم يجد حرجا بالإشارة أيضا إلى أن ما تشهده المنطقة يتخطى حدود ما بات يعرف بسعي الولايات المتحدة الأميركية لتعزيز نفوذها في جمهورية جورجيا، ليتمحور في المحصلة النهائية حول (مسألة التنافس والسباق بين مختلف الأطراف الدولية على الأنابيب الضخمة التي ستنقل النفط والغاز الطبيعي من منطقة بحر قزوين وجوارها).

وفي حقيقة الأمر، فإن هذا التحليل هو قريب من الواقع إلى درجة كبيرة، أخذا بعين الاعتبار سلسلة من الأمور التي سبق أن تحدثنا عنها في مقالات أخرى، وأهمها ما هو مرتبط بسعي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو لتنويع مصادر الطاقة التي تستوردها، بشكل لا يجعلها تعتمد على روسيا لوحدها كما هي الحال اليوم.

انطلاقا من هذه الحقائق، يبدو بأن المحللين الإسرائيليين قد أدركوا أهمية هذه الأنابيب وبُعدها الاستراتيجي المهم الذي تتمتع به على الصعيدين التجاري والسياسي، فسعوا للسيطرة عليها أو أخذ حصة كبيرة منها، معتمدين .

كما هي الحال دائما على الجاليات اليهودية المتعاطفة مع الدولة العبرية، لكن أيضا على الشركات الأميركية المتحفّزة للانقضاض على أية مشاريع ذات أهمية استراتيجية. وللتوضيح فقط، فإن خط الأنابيب الذي نتحدث عنه سينقل النفط من أذربيجان والغاز من تركمانستان، حيث سيمرّ كلاهما عبر الأراضي الجورجية باتجاه تركيا.

وإذا أخذنا التحليل الإسرائيلي نفسه بعين الاعتبار، فأنه يذهب إلى أبعد من هذا التقدير، فيقول (حسب ديبكا فايلز) بأن «تل أبيب مهتمة بشكل كبير لإيصال هذه الأنابيب إلى ميناء شيحان التركي، تمهيدا لإيصالها لاحقا إلى عسقلان الإسرائيلية ومن ثم إلى ميناء إيلات على البحر الأحمر لكي يتم نقلها بسهولة إلى الشرق الأقصى والمحيط الهندي...».

شخصيا أؤمن بأن ما تشير إليه المصادر الإسرائيلية هو صحيح وإن اختلفتُ معها في التحليل وطريقة ترتيب الأفكار، وهذا يسمح لي بأن أؤكد بضمير مرتاح بأن التعاون العسكري الإسرائيلي الحثيث مع جورجيا لم يكن ينطلق في واقع الأمر من معطيات إيديولوجية أو سياسية كتلك القائمة بين الدول المنضوية ضمن لواء تحالفات واسعة مثل حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي وما شابه، بل من معطيات مرتبطة بالمصالح الاقتصادية والتجارية الحساسة.

ويبدو بأن تل أبيب لم تجد حرجا لتعزيز تعاونها العسكري الكثيف مع جورجيا والذي وصل حسب بعض المصادر الإسرائيلية إلى حد إرسال أكثر من ألف خبير عسكري، لاعتقادها بأن الظروف الدولية المحيطة بالنزاع الجورجي ستلعب أكثر لصالح الغرب وستشكل إحراجا لموسكو، وبالتالي فأنها قد تكون قادرة على اقتناص الفرصة الاستثمارية المتاحة بكل سهولة.

أمام هذا الواقع المثير، يبدو الجميع بانتظار ردة فعل روسية معينة تساعدها على ضبط الأمور وفق ما تتطلبه مصالحها الاستراتيجية، حيث ليس واضحا بعد فيما إذا كانت موسكو ستكتفي بما جرى خلال الأسابيع القليلة الماضية من استعراض لعضلاتها وإظهار لأنيابها، مقابل ما شهدناه من استعراض للمخالب الأميركية والإسرائيلية على حد سواء.

وانطلاقا من ذلك، يحبس كثيرون أنفاسهم انتظارا لتفاصيل المحادثات التي ستجريها القيادة الروسية مع سوريا، وتحركاتها على الملف الإيراني المثير لامتعاض إسرائيل والولايات المتحدة، وفيما إذا كانت ستتخذ خطوات جريئة غير مسبوقة للمسّ ببعض المحرّمات المفروضة منذ عشرات الأعوام في منطقة الشرق الأوسط وأهمها الحفاظ على التفوق العسكري لإسرائيل.

أم أنها ستستمر بالالتزام بهذه المعادلة إرضاء لمصالح أخرى قد تتفق حولها مع الإدارة الأميركية. بجميع الأحوال، فإن أحداث القوقاز وضعت إسرائيل في موقع لا تحسد عليه فيما يتعلق بعلاقاتها مع روسيا واحتمالات تأثيرها على صنّاع القرار فيها. مقابل ذلك كله، يبدو العرب غير مستفيدين من الوضع القائم. فهم لم يعيدوا ترتيب أولوياتهم العسكرية، ولا مكترثين حتى بالاقتصادية منها.

كاتب لبناني : ezzedine@vol.cz