تلقيت رسائل واتصالات من بعض الأصدقاء تعقيباً على ما كتبته في جريدة البيان تحت عنوان «هل نستعد للأسوأ». رسالة من صديق متابع لما أكتبه ويحمل هموم الوطن العربي وعلى رأسها القضية الفلسطينية تقول: من الجاني على الفلسطينيين؟

نحن نتذكر أن حالهم قبل هزيمة 67 وانتصار 73! كانت أفضل مما أصبحت عليه الآن، وكانت القدس عربية وبيد أبنائها، والحدود كانت مفتوحة مع الدول المجاورة، أما اليوم فقد فقدنا حتى إنسانيتنا تجاههم، ونتفرج عليهم وهم يعيشون تحت الحصار، والحدود مغلقة في وجوههم، ويعانون مقاطعة اقتصادية وسياسية قسرية، أليس هذا عاراً على العرب؟

وصديق آخر قال: لقد سئمنا من المطالبة بتوحيد الصف والكلمة، لأن ذلك لن يحصل أبداً لأن عقلية المستحيل تسيطر علينا، لكن ألا يمكن للعرب أن يتحدوا ولو لمرة واحدة ولهدف نبيل ويرفعوا القضية إلى محكمة الجنايات الدولية ضد إسرائيل وحكومتها ويتهموها بالإبادة والتدمير؟

أو لماذا لم يتحرك المدعي العام في تلك المحكمة الدولية، كما فعل ورفع قضية ضد اللواء حسن البشير رئيس جمهورية السودان حول أحداث منطقة دارفور؟ فمهما اختلفنا أو اتفقنا حول مسؤوليته فيما جرى ويجري في هذا الإقليم.

إلا أنه رئيس دولة، مع ذلك هذا لم يشفع له عند المدعي العام في محكمة الجنايات الدولية، أم لم تكن محكمة الجنايات الدولية تعرف أن الذي حاصرته إسرائيل وأهانته وهو يعاني من المرض وقطعت عليه الكهرباء رحمة الله عليه، كان رئيس السلطة الفلسطينية الذي تحتل أرضه وتعتدي على شعبه بالقوة والسلاح؟

ألا يستحق الشعب الفلسطيني الذي اغتصبت أرضه وهجر أبناؤه، وسلبت منه حتى أبسط حقوق العيش، التدخل؟ أو لماذا يتدخل الغريب وإخوانهم العرب تنصلوا من المسؤولية وتركوهم يواجهون مصيرهم لوحدهم؟

ورسالة أخرى تقول: بين فترة وأخرى يطلع علينا في وسائل الإعلام، مدعو المعرفة والحكمة في هذا الزمن، زمن الضعف والانكسار، ولا يخجلوا من الإشادة بما حققوه من انتصار في نظرهم فقط، ليوهموا به الشعب العربي المغلوب على أمره، حيث يقول أحدهم ماذا تريدون منا؟

حررنا أرضنا بالمفاوضات وبالطرق السلمية وجنبنا الشعب هدر الدماء، ولكن لم يذكر لنا حكاية تحرير الأرض إلى آخرها، الأرض المحررة في نظره التي لا يملكون داخلها حق الوصول إلى الحدود ولا يتجرأ أي جندي على التحرك فيها.

لأن هذا يعتبر تهديداً للعدو، فيما يحق للعدو ذلك، وكأن الأرض ليست أرضه بل منحة من العدو، هكذا يوهمنا البعض بالنصر والانتصار في زمن الضعف العربي!! وينسى أو يتناسى أن غزة وهي جزء من فلسطين المحتلة كانت تحت إشراف دولة عربية وهي المسؤولة عن احتلالها.

إن العرب وصلوا إلى حالة من الضعف لم يذكر التاريخ مثيلاً لها. كما قلت في مقالين سابقين، يقول أحد المفكرين إن العرب نسوا طعم الانتصار لدرجة أنهم يخافون من أن ينسب إليهم بغريب في زمن الفوضى الإقليمية، والتآمر الدولي والصمت العربي.

فخلال الأيام الماضية وقعت حادثتان أكدتا ذلك: الأولى في فلسطين المحتلة، حيث تابعنا صوراً عبر الفضائيات لجندي إسرائيلي يقتل شاباً فلسطينياً مكبلاً ومعصوب العينين دون رأفة أو رحمة، وكعادتهم لم يظهر أي مسؤول عربي في مثل هذه المواقف ولو ليندد أو يستنكر وهذا أضعف الإيمان، وأقوى سلاح كان يمتلكه العرب!!

واتضح أن مصور هذه الحادثة المروعة واللاإنسانية بكل المقاييس، شابة فلسطينية قامت بتصويرها من منزلها القريب من موقع الحادث، وعندما عرف العدو سجن والدها ومنع العائلة من التحرك خارج المنزل، ومرة أخرى لم يحرك العرب ساكناً.

وكأنهم غير معنيين بما حدث ويحدث للفلسطينيين، أبعد هذا الضعف ضعف؟ عفواً.. فالحادثة الثانية تدل على أن بعد هذا الضعف ضعفا مستمرا إلى ما لا نهاية! قد نتفق أو نختلف حول كثير من الأوضاع والقضايا في مصر، لكن لا يختلف اثنان حول نزاهة القضاء المصري، فقبل أيام أصدرت محكمة مصرية حكماً بحق الدكتور سعد الدين إبراهيم وهو مصري الجنسية، بغض النظر عن القضية.

فإلى هنا الأمر طبيعي وداخلي، لكن غير الطبيعي وغير المنطقي هو توجيه السفير الأميركي في القاهرة نقداً للمحكمة وللحكم الصادر منها، أليس هذا طعناً في القضاء المصري وتدخلاً في شؤون مصر الداخلية؟ كيف يسمح لنفسه أو يقبل منه ذلك دون وجه حق.

وحكومته لا تسمح لأحد حتى بإبداء رأيه في أبشع أنواع وألوان الاعتقال والتعذيب دون محاكمة التي تمارسها على مساجين غوانتانامو الذين لا يسمح لهم حتى بالمطالبة بحقوقهم القانونية التي يكفلها لهم القانون الدولي، لدرجة أن بعض المساجين إلى جانب المعاناة والذل أصبحوا يعانون من الجنون والأمراض العقلية كما كشف مؤخراً أحد المحامين.

ألم يكن في استطاعة أي مسؤول أن يقول لسعادة السفير: قف عند حدك فهذا ليس من اختصاصك، فلا أحد يتدخل في حكم القضاء المصري، فكيف يحق لك ذلك؟ أم أن أميركا بحكم أنها تتدخل في كل شؤوننا الاقتصادية والسياسية، علينا أن نسمح لها بالتدخل في شؤوننا الداخلية كذلك؟

أبعد هذا الضعف ضعف؟ أبعد السكوت واللامبالاة على ما يحصل في غزة ضعف؟ ألم تقل سيدة العالم إن غزة معادية لأميركا، إذاً فهي معادية كذلك للعرب وحكامهم!! أما قضية دارفور ومحكمة الجنايات الدولية، فإنها قد تكون قضية حق يراد بها باطل، فالظاهر أن السبب الأساسي هو الموارد الطبيعية والبترول التي يمتلكها السودان في هذا الإقليم.

كما حدث ويحدث في العراق، فهم يتحركون من أجل السيطرة على موارد السودان، وليس من أجل مصالح شعبه. هذه هي سياسة أميركا في ظل حكومة جورج بوش في قرن العولمة، خاصة مع الضعفاء أمثالنا!.

كاتب اماراتي