بدأ الخريف الباريسي يلون أوراق الأشجار استعداداً لسقوطها على الأرصفة المبتلة بمياه المطر، وبدأت أسراب الأطفال تعود إلى المدارس، ولكن عناوين الصحف الفرنسية عادت هي الأخرى تنذر بخريف ساخن من الأزمات العالمية.

وعاد زملائي الأوروبيون الخبراء في الشؤون الدولية كل في موقعه يحلل أسباب وأبعاد وتداعيات هذه الأزمات المعلنة، كأنما مقتل عشرة جنود فرنسيين على أيدي طالبان منذ أيام أدخلت زملائي الفرنسيين في دوامة الصراع الأفغاني ليصبحوا جزءا منه وفاعلين فيه لأنهم تحولوا إلى ضحاياه بسبب قرار الرئيس الفرنسي في مايو الماضي.

وبعد عام من انتخابه إعادة فرنسا إلى قيادة حلف شمال الأطلسي ثم قراره إرسال 900 عسكري فرنسي إضافي إلى أفغانستان لتعزيز قوات الحلف والتحالف هناك رغم المعارضة الشديدة من قبل شرائح عديدة من السياسيين والرأي العام الفرنسي، حتى من صفوف الحزب الحاكم.

ولباريس مع حلف الناتو قصة متشعبة طويلة بدأت مع الجنرال شارل ديجول الذي خرج من الحلف في فورة غضب شهيرة في الستينات ولم يعد، بل لم يعد بعده إلى الحلف أحد من خلفائه في قصر الاليزيه بمن فيهم منافسه وخصمه الاشتراكي فرنسوا ميتران.

الا أن قدوم نيكولا ساركوزي غير المعادلة بعمق بالنظر إلى ارتباطات الرئيس الجديد بمنظومة المال والأعمال للمحافظين الجدد وعقلهم المدبر في لندن ونيويورك، فهو صديق لأصحاب القرار الخفي في الشركات الإعلامية ودوائر البورصات وشبكات ما يسمى بالانجليزي (ثنك تنك) التي تتكاتف وتتضامن من أجل إبقاء حالة من التأزم الدولي تخدم مصالح تجار السلاح ومالكي المصارف الكبرى في الغرب.

ولكي نعرف من يمهد العالم لحرب شاملة يجب أن ندرك العلاقة الحميمة والمستديمة بين النظام الاقتصادي والنقدي العالمي القديم والعقيم الملقب بنظام بريتن وودس وبين قرع طبول الحرب. فالنظام الدولي الجائر الذي خطط له الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الثانية لم يراع سوى المصالح الضيقة لبضع عائلات بريطانية وأميركية تسترت بالليبرالية الغربية وحرية التجارة .

والأسواق المفتوحة لتواصل نهب ثروات العالم في أمان وبكل «شرعية» تحرسها الجيوش الجرارة المنضوية تحت حلف شمال الأطلسي. وهذه العائلات تشكل الحكومة الخفية للغرب وتحولت منذ 11 سبتمبر 2001 إلى قوة هلامية وافتراضية لا تتردد في رفع رايات الصليبية واستعمال منطق صدام الحضارات الذي نظر له هنتنجتون والمحافظون الجدد بزعامة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني.

ولسنا نحن الذين نقول هذا الكلام حتى لا يتهمنا بسطاء العرب بالخيال والفكر التأمري، بل قالت هذا الكلام السيدة مادلين أولبرايت (التي تنحدر من أصول يهودية وتحملت أخطر المناصب في بلادها) وذلك في كتابها الغني بالمواقف الصادر هذا الأسبوع بعنوان: (الرب وأميركا والعالم).

فهي تكتب حرفياً بأن بوش الابن مقتنع بأن لديه رسالة أوحى له بها الرب في العراق وأفغانستان تكون لديه سياسة. وهي تؤيد باراك أوباما لأنه سيغير هذا الحال، وتقول عن بوش الابن بأنه غلطة تاريخية ومرض عضال في مسار الحكم في الولايات المتحدة.

أما المرشح الأسبق لرئاسة الجمهورية الفرنسية السيد جاك شوميناد فيقول هذا الأسبوع في افتتاحية صحيفته بأن النظام العالمي الفاسد الذي يحكمه حفنة من عائلات الغرب قابضة على مصائر الشعوب هو المسؤول اليوم عن دخول الولايات المتحدة وأوروبا إلى ساحة الصراع على ثلاث جبهات في نفس الوقت: جبهة جورجيا ضد موسكو وجبهة العراق ضد كل العرب وجبهة إيران وأفغانستان ضد كل المسلمين.

ويقترح شوميناد تعويض النظام العالمي الجائر بنظام عادل يقوم على بناء الجسور والطرقات بين الأمم والقارات ودخول العالم مرحلة التعاون الاقتصادي والشراكة الحضارية. في كل هذه الشدائد القادمة والقائمة يبقى الأخطر بالنسبة لنا نحن العرب هو غيابنا المدهش عن منطقة الفعل والتأثير كأنما حظنا في السياسات الدولية يشبه حظنا في الألعاب الأولمبية ولعل آخر دعوانا هي (رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رشدا).

تلك هي الآية الكريمة النازلة في سورة الكهف ورقمها 10 وهو الدعاء الذي توجه به الفتية إلى الله سبحانه عندما أووا إلى الكهف. أليس حالنا أشبه بهم ونحن أمة كأنما كتب الله عليها أن تأوي إلى كهفها. فسبحان الله انه العليم القدير.

كاتب تونسي : alqadidi@hotmail.com