في سابقة تاريخية هي الأولى منذ نهاية عصر الاستعمار، قدمت إيطاليا اعتذاراً رسمياً معنوياً ومادياً رمزياً للشعب العربي في ليبيا، عن الاحتلال الإيطالي الذي استمر على مدى ثلاثة عقود، بدأت مع بدايات الحرب العالمية الأولى في بداية عصر الاستعمار، وانتهت مع نهايات الحرب العالمية الثانية بانتصار دول الحلفاء على دول المحور، بعد هزيمة الجيش الإيطالي والألماني بقيادة «روميل» في مواجهة الجيش الإنجليزي الذي كان يحتل مصر بقيادة «مونتجومري» في معركة «العلمين».

لقد جرى احتلال ليبيا في العام 1911، بعد احتلال فرنسا للجزائر عام 1830 واحتلال بريطانيا لمصر عام 1882 قبل سقوط الخلافة العثمانية، ثم جرى تقسيم بقية الوطن العربي واحتلاله تحت لافتات الوصاية والانتداب الإنجليزي والفرنسي، تطبيقاً لاتفاق «سايكس ـ بيكو» عام 1916 بعد هزيمة تركيا في الحرب الأولى، لتقسيم النفوذ بين المنتصرين في تلك الحرب وبداية عصر الاستعمار الأوروبي للمنطقة العربية والإسلامية، كآخر أشكال الحملات الصليبية من الغرب إلى الشرق.

وفي مشهد تاريخي في الزمان والمكان وفي المبنى والمعنى، تجسدت أمام أعيننا صورة تبعث بإشارة ضوء وعلامة فرح تحت السماء العربية والإسلامية، بينما ما زال يغيم عليها ظلام وأحزان الاحتلال الاستعماري الصهيوني في فلسطين والأميركي في العراق والأطلسي في أفغانستان والإثيوبي في الصومال.. تمثل بداية النهاية لعصر الاستعمار، وبداية تحول جديد في العلاقة بين الشمال والجنوب بإقرار الاستعمار بخطيئته، واضطرار المستعمر أخيراً إلى الاعتذار.

الزمان: مع احتفال المسلمين باليوم الأول من رمضان المبارك شهر الصبر والنصر، مواكباً لاحتفال الليبيين بالأول من سبتمبر شهر الثورة في ذكراها التاسعة والثلاثين، والمكان: هو مدينة بني غازي الليبية، والمبنى: هو قصر الحاكم العسكري الإيطالي التاسع والثلاثين.

والمشهد المثير يبرز فيه حضور ابن شيخ المجاهدين وشهيد العرب والمسلمين «عمر المختار»، وعلى يمينه الزعيم الليبي معمر القذافي، يصغيان بمشاعر الفخر إلى رئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو برلسكوني وهو يعلن على العالم الاعتذار التاريخي الإيطالي عن آثار الاحتلال الاستعماري للوطن الليبي، قائلاً: «إننا نعتذر أخلاقياً عما سببه الاستعمار الإيطالي للشعب الليبي من آلام وأضرار، ونتطلع لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة.. فبالمحبة والصداقة، لا بالاستعمار والكراهية، يتحقق الرخاء ويعم السلام بين شعبينا».

ليرد عليه قائد الثورة الليبية، التي كان أول ما فعلته هو طرد القواعد العسكرية الاستعمارية الانجليزية والأميركية وطرد المستوطنين الإيطاليين بقايا المستعمرين الذين كانوا يسيطرون على مفاصل الاقتصاد الوطني من الأراضي الليبية لاستكمال الحرية والاستقلال الحقيقي، قائلاً: «إن وثيقة الاتفاق الذي وقعناه اليوم هي وثيقة اعتذار.. وهذا الاعتذار هو إثبات لفشل المشروع الاستعماري الذي جلب القتل والدمار وسبب الكراهية بين الشعوب، بذنب الحكومات الاستعمارية ودون ذنب من الشعوب».

إن القيمة الحقيقية لهذا الاتفاق لا تنبع من التزام إيطاليا بدفع تعويضات رمزية لليبيا بقيمة خمسة مليارات دولار، ولكنها تنبع من معنى الانتصار، انتصار الإرادة الوطنية للشعوب الصغيرة وفرضها على الإرادة الاستعمارية للدول الكبيرة، وبداية التراجع والمراجعة لمشاريع الاستعمار بعد تجارب الفشل والانكسار أمام المقاومين الأحرار، وبشير انتصار إرادة العرب والمسلمين الأحرار في كل الأقطار.

أخيراً اعتذر الطليان.. فمتى يعتذر الفرنسيون والبريطانيون والأميركان؟!

mamdoh77t@hotmail.com