ونحن نتفيأ ظلال شهر رمضان المبارك ، نتذكر عظمة الاسلام الذي ارسله الله لاخراج الناس من الظلمات الى النور.. نتذكر الدروس والعبر المستخلصة من هذا الشهر ، والحكمة من وراء فرض الصيام ، ومنزلة رمضان العظيمة بين الشهور.

نتذكر المعنى الروحي للصوم ، ومنزلة الصائمين عند الله «كل عمل ابن ادم له الا الصوم فانه لي وانا اجزي به». نتذكر ان رمضان كان في التاريخ الاسلامي محطة جهاد وتضحية ، ففي هذا الشهر الفضيل وقعت اهم المعارك. والتي شكلت محطات حاسمة في هذا التاريخ المشرق. ووضعت حدا للظلم والجهل والاحتلال..

ففي رمضان وقعت بدر الكبرى والتي كانت ايذانا بنهاية دولة الشرك. وايذانا بنشر الاسلام العظيم في الجزيرة العربية وفي مشارف ومغارب الارض كلها.

وفي رمضان المجيد سطر العرب اعظم الانتصارات ، في حطين فحرروا القدس والاقصى وفلسطين والمشرق العربي كله من الغزو الصليبي ، ووضعوا حدا لمغامرات الحمقى من حكام اوروبا انذاك .. كما وضعت معركة عين جالوت نهاية للعصر المغولي التتري الهمجي الذي اراد طمس الحضارة العربية ، وارتد خائبا بعد ان هزمته حقيقة الاسلام العظيمة.

شهر رمضان والذي يجمع الامة من الماء الى الماء ومن جاكرتا الى الدار البيضاء.. هو رسالة الى العرب والمسلمين تذكرهم بماضيهم المجيد ، وتحثهم وتحفزهم على الاخذ بالاسباب التي جعلت منهم خير امة اخرجت للناس ، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتسعى الى العلم ، وتنشر الحق والفضيلة والعدالة والتسامح ، وتعلي من قيمة الانسان الى حد التقديس ، وجعله خليفة في الارض.

رمضان يذكر الامة بواقعها المأساوي ، وبفلسطين المحتلة وبالقدس الاسيرة والاقصى المستباح ، الذي يقاسي من جرائم الصهيونية ، ويستغيث بالعرب والمسلمين ان يهبوا لانقاذهم وتحريره من براثن الاحتلال ، ومعاول الاحتلال التي تعمل على انهياره لاقامة الهيكل المزعوم.

رمضان رسالة للامة كلها ، بان تنهض من تحت الركام ، وتعود كما كانت امة واحدة «ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون» كسبيل وحيد لتحرير الاوطان المحتلة ، وانقاذ الشعوب الجائعة ، واسترداد الكرامة المهدورة ، والارادة المسلوبة ، والانسحاب من الظل الى النور. ومن حالة ردة الفعل الى الفعل وصناعة الاحداث بعد ان طال الغياب والاغتراب.

ومن ناحية اخرى فرمضان الذي يجمع الامة كلها. على نور الايمان والهداية ، يأتي هذا العام والامة في كثير من اقطارها تعاني بسبب ارتفاع الاسعار الفاحشة. ونشهد جوعا حقيقيا في بعض الاقطار مثل الصومال ، ما يترتب على اخواننا واهلنا من دول النفط ان يهبوا لمساعدة الدول الفقيرة واغاثة المحتاجين ، وانقاذهم من ذل الفقر وحرقة السؤال.

ونحن هنا في الاردن مدعوون للامتثال الى معاني هذا الشهر العظيم وترجمتها الى فعل وعمل يمشي على الارض لمساعدة اخواننا الفقراء والمحتاجين ، ذلك باحياء سنن التكافل الاجتماعي. ودعوة الاثرياء والاغنياء بالتبرع مما اعطاهم الله ، لمساعدة اخوانهم واهلهم ، في هذا الشهر المبارك ، والذي يعتبر بحق ميدانا للتنافس في فعل الخيرات.

لقد عمل جلالة الملك ولا يزال ليلا ونهارا للتخفيف على المواطنين والتسيير عليهم وخاصة في هذا الشهر المبارك ، فامر بصرف مبلغ مئة دينار لمساعدتهم لمواجهة اعباء رمضان ، اضافة لمآثره ومكارمه الكثيرة ومن ابرزها اعفاء الطلاب من التبرعات المدرسية وزيادة مخصصات المعونة الوطنية ، ورفع الرواتب ، وبناء مساكن لذوي الدخل المحدود«سكن كريم لعيش كريم». وتوجيهاته الى الحكومة بضرورة توفير السلع والمواد الغذائية للمواطنين في هذا الشهر وباسعار معتدلة.

مجمل القول: ونحن نستظل الشهر المبارك ندعو الامة ، ان تأخذ باسباب القوة وتعود الى ما كانت عليه «خير امة اخرجت للناس» لتحرير القدس والاقصى وكافة الاراضي العربية المحتلة ، وندعو المواطنين الكرام الى الامتثال الى دروس وعبر رمضان في احياء سنن التكافل الاجتماعي ، واغاثة الفقراء والمحتاجين ، والابتعاد عن التنافخ والنفاق الاجتماعي والتكاذب ، والعمل باخلاق الشهر الفضيل.. «الخلق عيال الله واحبهم اليه انفعهم لعياله».. «فاما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض» صدق الله العظيم.