لا بد أن نعترف أنها مشاهد لم تعتدها أعيننا، وأوضاع لم نتصور أن تصل إليها حال بعض المواطنين الذين تأتينا أصواتهم ونداءاتهم عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية طالبين المساعدة من الجهات المختصة أو مد يد العون لهم من الجمعيات الخيرية.
فمن يستمع إلى برامج البث المباشر التي لا تخلو منها إذاعة من إذاعات الدولة يفاجئه كمُّ الشكاوى التي ترد إلى تلك البرامج من مواطنين يعانون من أزمات عديدة يأتي على رأسها الغلاء الذي يكتوون بناره إلى الدرجة التي تفقدهم القدرة على الوفاء بالمتطلبات الأساسية لأسرهم بعد أن عجزت دخولهم عن ملاحقة التزاماتهم، لذلك يسعون لسد هذا العجز عبر وسائل أخرى لم يألفوها لكنهم يجدون أنفسهم مضطرين إليها كي يطفئوا نار الغلاء التي تلتهم ما في جيوبهم.
كانت مناظر أسقف البيوت التي تقع على ساكنيها من الصور النادرة التي نراها في الصحف، فأصبحت هذه المناظر من الصور المألوفة التي لم تعد تحظى بذلك الاهتمام الذي كانت الصحف توليها إياه بعد أن تكررت في أكثر من مكان على امتداد رقعة الدولة، وعلى المنوال نفسه تتوالى الشكاوى من فئات كثيرة في المجتمع تعاني من ضيق يستطيع البعض التعبير عنه من خلال هذه القنوات، ويتعفف كثيرون عن إبدائه حفاظا على كرامتهم واعتزازا بأنفسهم.
يأتي على رأس هؤلاء المتعففين المتقاعدون الذين يجدون أنفسهم بعد كل هذه السنوات التي قضوها في خدمة الوطن يحتلون ذيل القائمة من حيث الدخل في نظام يجمد معاشاتهم عند حد معين لا يتناسب مع الخدمات التي قدموها لوطنهم، ولا مع المكانة التي كان يحتلها بعضهم في مواقع العمل،
إلى الدرجة التي أصبح راتب حامل شهادة ثانوية عامة في بعض الدوائر المحلية والشركات يفوق راتب وكيل وزارة متقاعد قبل عشر سنوات مثلا، حتى علاوة الأبناء الذين يرزقون بهم بعد التقاعد لا تُصرَف لهم، كأن المطلوب من المتقاعدين أن يتوقفوا عن التناسل أيضاً استعدادا لمغادرة الحياة،
ولولا أن شملهم قرار زيادة الرواتب الأخير (بحد أقصى لا يتجاوز 6000 درهم) لأصبحوا في وضع مزر لا يحسدون عليه، حتى عندما يطالب البعض بالنظر إليهم بعين التقدير فإن هذه المطالبات لا تخرج عن تقديم بعض المؤن الرئيسية لهم بأسعار مخفضة وعبر منافذ تخصص لهم في الجمعيات التعاونية، ليغدو وضعهم أكثر حرجا وأدعى لأن يرفضوا ما يقدم لهم تحت بند العطف لا التقدير الذي يسعون إلى الحصول عليه كحق مشروع لهم.
إن مشهد تزاحم المواطنين أمام مركز توزيع الأرز بميناء زايد في أبوظبي الأسبوع الماضي لاستلام العبوات المدعومة التي تقدمها الحكومة للمواطنين، ووقوفهم تحت أشعة الشمس الحارقة، وتدافعهم للظفر بهذه الحصة، لهو منظر لا يليق بالإمارات التي عمَّ خيرها القاصي والداني ووصل إلى أبعد نقطة على رقعة المعمورة، ولا يليق بأبناء الإمارات الذين وضعهم حكام هذا البلد في مكانة تليق باسم دولتهم، وتليق بالدور الذي قاموا به في بناء هذه الدولة،
وبالتضحيات التي قدمها آباؤهم وأجدادهم قبل ظهور النفط والوصول إلى مرحلة الطفرة التي يبدو أنها بدأت تفقد ملامحها في ظل تزايد متطلبات الحياة وارتفاع أسعارها، وعدم تناسب الدخول مع هذه المتطلبات، وانخفاض القوة الشرائية للنقود بفعل التضخم الذي أصبح بحاجة إلى تدخل سريع ومباشر من السلطات المختصة كي لا يؤدي إلى عواقب وخيمة يعرفها رجال الاقتصاد أكثر منا.
إن حصر حاجة المواطن الإماراتي في بضع عبوات من الأرز والطحين والسكر وبعض المواد الغذائية الأساسية تبسيط للأمور يعيدنا إلى عصر ما قبل النفط ودولة الاتحاد التي خلقت منذ بداياتها نهضة انتقلت بإنسان الإمارات خطوات أوصلته إلى مرحلة من الرفاهية (التي هي حق مشروع له كمواطن يعيش في دولة نفطية غنية) لم يعد التراجع عنها بهذه الدرجة مقبولا ولا منطقيا، خاصة وهو يرى دولته تشهد انتعاشا اقتصاديا يجب أن لا ينعكس أثره على فئة محدودة في المجتمع، بينما تعاني الأغلبية عجزا عن ملاحقة متطلبات الحياة.
لقد جاء قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بزيادة موازنة مخصصات المساعدات الاجتماعية التي تقدمها وزارة الشؤون الاجتماعية بنسبة 100% في وقته المناسب، حرصا من سموه على التخفيف من أعباء المعيشة وتوفير الحياة الكريمة للمستفيدين من هذه المساعدات من أبناء وبنات الوطن،
ثم جاء قرار مجلس الوزراء بشأن تحديد قيمة المساعدة الاجتماعية (بما تضمّنه من تفاصيل تخص العاجزين ماديا ومن لا عمل له بسبب خارج عن إرادته) لينصف المستفيدين من هذه المساعدات بعد أن تغيرت ظروف الحياة ولم تعد قيمة المساعدة السابقة تفي بأدنى متطلباتها، وبقي على وزارة الشؤون الاجتماعية أن تفعِّل هذه القرارات،
حيث توقف تسجيل الحالات الجديدة بعد قرار مضاعفة المساعدات، ثم أعيد فتح المجال للتسجيل دون أن تتم الموافقة على حالات جديدة حتى الآن، فهذه الحالات قابلة للزيادة في مجتمع الإمارات الذي شأنه شأن كل المجتمعات الأخرى المعرض أفرادها للوفاة والطلاق والعجز... لأن ذلك من طبائع الحياة التي لا نستطيع تغييرها.
ويظل للمؤسسات والجمعيات الخيرية دور اجتماعي وإنساني لا يمكن تجاهله، لأن العمل الخيري في كل المجتمعات داعم ومكمل لدور الحكومات، وهنا لا بد أن نشيد بدور هذه المؤسسات والجمعيات وحرصها على الإسهام بجهد وافر في تخفيف معاناة الكثيرين،
وإن كنا نتمنى أن تختفي طوابير الواقفين على أبوابها طلبا للمساعدة، وأن تجد من الوسائل ما يحول دون وقوف هؤلاء المحتاجين على الأبواب للسؤال، ولعل فكرة البطاقات الذكية التي اعتمدتها مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية والإنسانية في توزيع المساعدات الشهرية و«المير الرمضاني» واحدة منها.
إن كل ما نطالب به هو أن نحفظ للمواطن كرامته، ونكفيه مذلة السؤال، ونعفيه من الحرج، ونهيئ له سبل العيش الكريم في بلد عُرف عنه كرم الوفادة لكل من يطأ أرضه، فما بالنا بأبنائه الذين هم نبت هذه الأرض وملحها.
كاتب إماراتي