موافقة روما على تقديم اعتذار وتعويضات لليبيا، عن الفترة الاستعمارية الإيطالية لها؛ خطوة نوعية فارقة وموفّقة. مبادرة جريئة ترقى إلى مستوى مصالحة تاريخية، لتصفية إرث ثقيل. أهميتها، أساساً، في رمزيتها. كما في أنها فتحت الباب لمبادرات مماثلة ومطلوبة، من شأنها أن تساهم في تصفية رواسب حقبة الاستعمار وما خلّفته من احتقانات وحساسيات، نفسية وسياسية واجتماعية، ناهيك عن الفوارق الاقتصادية.

كذلك كان لتوقيتها وقعه الإيجابي، كونها جاءت بمثابة تطور سلمي انفتاحي، من عيار غير مسبوق، في لحظة دولية شديدة التوتر والتفجير. صحيح أن الخطوة جاءت متأخرة. الاعتراف بالذنب الاستعماري، واجب أدبي طال انتظاره، ولو أنه لا يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. لكن حصوله يقدّم، على الأقل، نوعاً من الترضية، خاصة إذا ما واكبته سلّة من التعويضات، ولو أنها مهما كانت سخيّة، لن توازي ما تسبب به الاستعمار من نهب واضطهاد.

كذلك صحيح أن طي صفحة الحقبة الاستعمارية الإيطالية في ليبيا، حصل لأن رئيس الوزراء، برلسكوني، رأى في ذلك ما يلبّي مصالح بلاده. فهذه الأخيرة بحاجة إلى نفط ليبيا، لنوعيته العالية، كما لقربه من شواطئها، وبالتالي لانخفاض كلفة نقله. أيضاً هي بحاجة لتعاون طرابلس والغرب، في موضوع الهجرة غير المشروعة إلى أراضيها؛ من البلدان الافريقية.

ولا يقل عن ذلك أهمية بالنسبة إلى إيطاليا، تطلعها إلى استمرار ورفع وتيرة الاستثمارات الليبية الضخمة، لديها. وحتى التعويضات التي قررتها حكومة برلسكوني، هي ذات طابع استثماري بعيد الأجل. فالمشاريع ستكون من نصيب شركات إيطالية، مع كل ما يتبع ذلك من تفضيل لها في بقية مجالات التنمية. كل ذلك ربما كان على رأس قائمة الدوافع التي حملت إيطاليا على الاعتذار والتعويض.

الدول تعمل بلغة المصالح والحسابات. لكن مع ذلك هناك جديد حصل. نقلة غير مألوفة في سلوك دولة، ملطّخ ماضيها بالذنب الاستعماري. وبهذا المعنى فهي سابقة، لا بدّ وأن تحرج آخرين كثرا من نفس النادي، رفضوا وما زالوا، النطق بعبارة اعتذار. ليس فقط عن الماضي الاستعماري، بل أيضاً عن ماضي العبودية؛ كما هي الحال في الولايات المتحدة الأميركية.

والذريعة كانت ولا تزال، أن الجيل الحاضر لم يرتكب إثماً، حتى يعتذر عنه. عذر ينسى، أو بالأحرى يتناسى، أصحابه أن ذلك الذنب ترك كلفته على الضحية، تجرجر حتى اليوم. مع هذا كل ما تطلبه هذه الضحية لا يتعدّى التلفظ بكلمة بسيطة، حصلت عليها أخيراً من إيطاليا. علّها تكون البداية.