يبقى لشهر رمضان ميزة عن غيره من الشهور، وتميزه ذلك يفرض استعدادا خاصا لاستقباله من قبل المسلمين ليس من اليوم فحسب بل طوال السنوات الماضية، مع فارق كبير بين استقبالنا لرمضان في الماضي واليوم.

فقد لفت انتباه الجميع الحملات الإعلامية الكبيرة التي سبقت رمضان في الشوارع والطرقات، وعلى أغلفة الصحف والمجلات وفي التلفزيونات، وكأننا بصدد استقبال مهرجان تلفزيوني لا شهر صيام وقيام، فتتابعت الإعلانات عن باقة كبيرة من المسلسلات التلفزيونية التي تعددت هويتها ورسائلها واختلفت على ما يبدو مضامينها لتصبح الإمارات في ذلك وبدون مبالغة ربما صاحبة أكبر رصيد في المسلسلات.

وهو الأمر الذي يجعلنا نتمنى ان تتضمن تلك المسلسلات قيما تاريخية وعلمية واجتماعية ترتقي بالمشاهدين، دون ان يكون من بينها مسلسلات تخرق القيم والعادات والتقاليد، أو تطرح مشكلات دون معالجتها، أو تبالغ في وصف قضايا لا يمكن اعتبارها ظواهر، فتمس الصيام وتجرحه بكثير من اللغو الذي لا يستحق ان ينفق عليه مال أو يُبذل فيه جهد.

مازلنا نذكر المسلسلات التاريخية والخليجية والعربية التي كنا نتابعها منذ كنا صغارا والتي مازالت أحداثها عالقة في أذهاننا رغم قلتها، في حين اننا نحاول جاهدين تناسي ما حملته ذاكرتنا من مسلسلات عرضت خلال السنوات الأخيرة لتقضية أوقات المشاهدين بما لا يسمن ولا يغني من جوع.

هذا التغيير الحاصل في استقبال رمضان خطير خاصة ان كنا نتحدث في الإمارات مثلا عن سباق بدأ بين القنوات التلفزيونية التي تنافست لتصبح صاحبة أكبر رصيد في المسلسلات. التغيير الخطير الذي نتحدث عنه هو الذي أحدث آثاره في الجيل الجديد الذي أصبح مدمنا لهذه المسلسلات ومتابعا لها بشغف لا يعفيه من التأثر بها، سواء كان التأثر ايجابيا أو سلبيا وهو الأرجح.

الأمر الذي يؤكد ان عقول الجيل الجديد أصبحت مغيبة أمام إعلام لا يخدم جلّه المجتمع بقدر إساءته إليه، ولا يزرع في هذا الجيل فضائل بقدر ما ينتزعه منها، فلا تجد أطفالاً أو شبابا يتسابقون على صلاة التراويح والقيام، ولا حتى يكلفون أنفسهم عناء صلة الأرحام والأقارب، ما يعني ان بعض إعلامنا المحلي بما يتبناه من سياسات يسهم في التراجع بتربية الأبناء الذين وضعهم أمام خيارات الحلو منها يبقى مرا.

فلماذا يعلن عن سباق محموم بين قنواتنا التلفزيونية على عرض هذه المسلسلات التلفزيونية، في الوقت الذي نحتاج فيه لصرف جزء من هذه المبالغ الضخمة على أنشطة تعود بالخير على الجميع، اجتماعيا وإنسانيا وثقافيا واقتصاديا؟ هل انتهت كل مسؤولياتنا تجاه جيل المستقبل لنشغل عقله ونغيبه بحزمة مسلسلات لا نعرف لماذا اختير رمضان بالذات لعرضها؟

لن نكون متشائمين ولن نستبق الأحداث في الحكم على هذه المسلسلات، فعزاؤنا ان بينها مسلسلات هادفة وناقدة وتناقش قضايا تاريخية واجتماعية بموضوعية تجعلنا نكن تقديرا للعاملين عليها، لكننا في الوقت نفسه نأمل ان نتحمل مسؤوليتنا جميعا كمسؤولين في المؤسسات الإعلامية، وكآباء وأمهات في مراقبة ما سيعرض على الشاشات الرمضانية لنكون قادرين على إبداء رأينا والتعبير عن رفضنا لكل ما لا يتناسب مع احتياجاتنا ومتطلباتنا وذلك أضعف الإيمان.

maysaghadeer@yahoo.com